) دعا أربعين رجلاً فيهم أعمامه
وعشيرته فتكلم بالكلام التالي، وقال:
يا بني عبد المطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل
ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن
أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصي
وخليفتي فيكم،قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،وقلت: ... أنا يا نبي اللّه، أكون
وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا
له وأطيعوا. (1)
ب. حديث المنزلة
روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف
علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أهله في المدينة عند توجهه إلى تبوك،
فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فلما قال ذلك المنافقون،
أخذ علي بن أبي طالب (عليه السلام) سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بالجرف، فقال: ما نشره المنافقون،
فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي
بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي. (2)
____________
1 . تاريخ الطبري: 2|63ـ64 وغيره من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري: 6|3، غزوة تبوك؛ وصحيح مسلم : 7|120، في فضائل علي؛ السيرة النبوية:
2|519 ؛ إلى غير ذلك.
( 170 )
ودلالة الحديث على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفاض على
علي (عليه السلام) بإذن من اللّه سبحانه الخلافة، واضحة لاَنّ كلمة «منزلة» اسم
جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدل على أنّ كلّمقام و منصب
كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعلي (عليه السلام) ، إلاّما استثناه، وهو النبوّة، وقد كان
هارون خليفة لموسى بالضرورة.
ج. حديث الغدير
وهوحديث معروف متواتر، وحاصله انّ النبي عندما وصل إلى غدير خم
من الجحفة عند منصرفه من حجّة الوداع، أمر بردّ من تقدّم من الحجاج، وحبس
من تأخر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب
الاِبل فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جنّته
حقّ، وناره حقّ، وانّ الموت حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث
من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال : أيّها الناس، ألا تسمعون؟
قالوا: نعم.
قال: فانّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه؟
قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، إنّاللطيف الخبير
نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا
تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم
( 171 )
أجمعون، فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟
قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من
كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد
من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من
خذله، وأدر الحق معه حيث دار، الاّ فليبلغ الشاهد الغائب.
ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:
(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) (المائدة|3)، فقال
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة
ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. (1)
4. غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت
أخرج البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تحدثنا
ما سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: سمعته يقول: إنّ رجلاً
حضره الموت لما آيس من الحياة أوصى أهله إذا متّ، فأجمعوا لي حطباً كثيراً،
ثمّ أوْرُوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فخذوها
فاطحنوها، فذروني في اليمِّ،في يوم حارٍ أو راح، فجمعه اللّه.
فقال له: لِـمَ فعلت؟ قال: خَشْيَتَك، فغفر له. (2)
____________
1 . الغدير: 1|34ـ 42 قد بسط الكلام في مصادر الحديث ورواته قرناً بعد قرن.
2 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار؛وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:8|98، باب
في سعة رحمة اللّه تعالى.
( 172 )
أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت
فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني
عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما
فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.
فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال
غيره: مخالفتك يا ربّ. (1)
وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.
وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي
هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.
وفي الرواية تساوَلات
أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه
سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو
ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب
أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.
وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه (وَما قَدَرُوا اللّه حقّ
قَدْرهِِ)(الاَنعام|91) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على
ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى
ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها
كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه. (2)
____________
1 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار.
2 . فتح الباري: 6|523 شرح حديث 3481.
( 173 )
وأنت خبير بأنّ تلك الوصية بالنحو الوارد في الرواية كاشفة عن أنّه أوصى
بذلك وهو في سلامة عقله، فكيف يحمل على أنّه أوصى ذاهلاً وناسياً ؟
وانّه سبحانه وتعالى أعرف بالاِنسان من نفسه، فلماذا يأمر الاَرض بجمع
رماده ثمّ يحييه ويسأله: لِـمَ فعلت ذلك ؟
ثانياً: انّ ظاهر الآيات انّ الاِنسان إذا مات فلا يرجع إلى الدنيا إلاّ لغايات
خاصة، كإحياء الموتى لغاية إثبات النبوة، أو إحياء أصحاب الكهف لغاية إثبات
إمكان المعاد.
قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ليعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّالسّاعَةَ لا
رَيْبَفِيها) (الكهف|21) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحياء الموتى كإحياء
عزير (1) لتلك الغاية أيضاً. وأمّا إذا لم تكن ثمة غاية كإتمام الحجّة فلا يرجع إلى
الدنيا، ويترك حسابه إلى الآخرة، قال سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوت
قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ
وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِيُبْعَثُونَ) (الموَمنون|99ـ100).
فنخلص إلى القول: بأنّ الرواية تخالف الذكر الحكيم، مضافاً إلى أنّها أشبه
بالاسرائيليات التي روّج لها مستسلمة أهل الكتاب، ثمّ نشرها السُّذّج في أوساط
المسلمين دون وعي.
5. الدجال معه ماء ونار
أخرج البخاري، عن عقبة بن عمر، عن حذيفة، انّه سأله وقال: ألا تحدثنا
ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي سمعته يقول: إنّ
مع الدجال إذا خرج ماءً وناراً، فأمّا الذي يرى الناس انّها النار فماء بارد، وأمّا
____________
1 . البقرة: 259.
( 174 )
الذي يرى الناس انّه ماء بارد، فنار تحرق، فمن أدرك منكم فليقع في الذي يرى
انّها نار، فانّها عذب بارد. (1)
أقول: إنّ الرواية مهما صحّ سندها فهي من الاِسرائيليات، التي لا يقام لها
وزن، حتى انّ البخاري ذكرها في باب تحت عنوان ما ذكر عن بني إسرائيل.(2)
وان ذكرها في كتاب الفتن من الجزء التاسع بصورة موجزة. (3)
وذلك أوّلاً: انّ تزويد الدجال بهذه المعاجز يوَدي إلى إضلال الناس،
والغاية من خلقة الاِنسان هي الهداية لا الضلالة، وسيوافيك توضيحه عند
دراستنا لاَحاديث المغيرة بن شعبة.
وثانياً: انّ اختلاف المرئي في نظر الرائي رهن كون الدجال ساحراً،
ويُخيِّل الشيء بصورة عكسه، وهذا أيضاً من أسباب الضلال، فلماذا سلطه
سبحانه على العباد.
وأمّا تفسير ابن حجر وقوله: يجعل اللّه باطن الجنّة التي يسخرها الدجال
ناراً وباطن النار جنّة. (4)
فهو تفسير بعيد لا يحمل عليه كلام أصحاب البلاغة، فالحقّ أنّ أكثر ما
ورد حول الدجال إسرائيليات، لا يذعن بها العقل الحصيف، ولا يُظن لعاقل أن
يصدقه، وإن كان أصل ظهور الدجال في آخر الزمان أمراً مسلّماً بين
المسلمين.
____________
1 . صحيح البخاري: 4|169، باب ما ذكر عن بني إسرائيل و9|60 باب ذكر الدجال؛ وأخرجه مسلم
أيضاً في صحيحه: 8|195، باب ذكر الدجال وصفته ومامعه.
2 . صحيح البخاري: 4|169.
3 . صحيح البخاري: 9|60 ، باب ذكر الدجال من كتاب الفتن.
4 . فتح الباري: 13|99.
( 175 )
6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة
أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه
الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تضرك الفتنة (1)
أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف
عن بيعة أمير الموَمنين علي (عليه السلام) بعد أن تدافع إليها المسلمون و في
طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك
الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة، (أَلا فِي
الفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة|49).
وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه
السلام» ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة
وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد
بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولعمر الحق، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد انقاذ محمد
بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً،
والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور
المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو
موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل
عثمان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما بين أيديكم فتن
كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً
ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي
____________
1 . سنن أبي داود: 4|216 برقم 4663.
( 176 )
فيها خير من الساعي».
قالوا: فما تأمرنا، قال:« كونوا أحلاس بيوتكم». (1)
ومعنى ذلك انّ ما خاض فيه عليّ (عليه السلام) من الحروب الطاحنة
ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، كان فتنة، واللازم هو اجتنابها وهل يمكن
لمسلم واع أن ينسب علياً إلى إثارة الفتنة مع انّعلياً بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحق، والحقّ معه حيث ما دار؟! (2)
____________
1 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4362؛ مسند أحمد: 4|408.
2 . تاريخ بغداد: 14|321؛ تفسير الرازي: 1|111 في تفسير البسملة وغيرها.
( 177 )
9
عقبة بن عمرو
«أبو مسعود الاَنصاري»
(... ـ 40هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة