) فردّه اللّه خاسئاً. (5)
____________
1 . سنن الترمذي: 4|185 برقم 1658.
2 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 170 برقم 487.
3 . العفريت: العاتي المارد من الجن: الفتك: هو الاَخذ في غفلة وخديعة.
4 . خنقته ، وفي نقل فدعته: دفعته دفعاً شديداً.
5 . صحيح مسلم: 2|72، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والآية 35 من سورة ص .
( 316 )
وفي الحديث تساوَلات:
أوّلاً: انّ المنقول عن أبي هريرة يختلف مضمونه مع ما نقل عن أبي سعيد
الخدري، حيث نقل عنه الاِمام أحمد:«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
قام فصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من
صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فمازلت أخنقه حتى وجدت
برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها،ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح
مربوطاً بسارية، من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع
منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. (1)
كما انّ مضمونه يختلف عمّا رواه نفس مسلم، عن أبي الدرداء، في ذلك
المقام . قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعناه يقول: أعوذ باللّه
منك، ثمّقال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلما فرغ من
الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله
قبل ذلك، و رأيناك بسطت يدك؟ قال: إنّ عدو اللّه إبليس جاء بشهاب من نار
ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه
التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان
لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. (2)
والظاهر وحدة الواقعة، والاختلاف في المضمون بيّن غني عن البيان،
كلّذلك يسلب الاعتماد على هذه النقول مع وحدة الواقعة.
وثانياً: انّ الرواية تعرب عن أنّ لاِبليس وجنوده سلطة على النبي «صلى
____________
1 . مسند أحمد:3|82.
2 . صحيح مسلم:2|73، باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة.
( 317 )
الله عليه وآله وسلم» حيث أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله
«يفتك»، وهذا ما يكذبه الكتاب العزيز ويقول: (إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذينَ
آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُون
) (النحل|99)وحمل السلطة على خصوص الاِغواء
خلاف الاِطلاق.
وثالثاً: انّ الرواية تدل على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يربط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن،
على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف
القرآن الكريم، حيث يقول: (إِنَّهُ يَراكُم هُوَ وَقَبيلُهُ مِنْحَيْثُ لا
تَرَونَهُمْ)(الاَعراف|27).
وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل
المدينة من تلك الاَغلبية الذين لا يستطيعون روَية الجن.
ورابعاً: الرواية تدل على أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرف عن
عمله، لاَنّه ذكر قول أخيه سليمان :(ربِّ اغْفِر لي وَهَبْلي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لاََحَدٍ مِنْ
بَعْدِي) فلاَجل ذلك ردَّ اللّه ذلك الجن خاسئاً ذليلاً صاغراً مطروداً.
ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافهص، وذلك لاَنّها لا تدل على
أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو الملك
المبني على قدرة قاهرة واستخدام الجن والاِنس والطير إلى غير ذلك مما جاء
في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري
المسجد في مورد واحد؟
فنفس الرواية حاكية على أنّها مندسة بين الروايات ، فنجلّ ساحة النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستدل بآية على أمر ليس فيها دلالة عليه.
2. الشيطان إذا سمع الاَذان ولّى ...
أخرج أحمد، عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، قال: قال
( 318 )
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا سمع الشيطان الاَذان ولّى وله ضراط
حتى لا يسمع الصوت. (1)
أقول: نحن لا نعلِّق على هذا الحديث شيئاً، ولكن هل للشيطان قدرة على
هذا العمل الذي هو من شوَون الموجود المادي؟!
ثمّ على فرض صحته، فالاَذان ظاهرة مستمرة بين المسلمين حسب
اختلاف الآفاق، والشيطان له إحاطة بالبشر فهو يواجه في كلّحين أذاناً في
البلدان المختلفة، فهل يقوم بذلك العمل حسب استمرار الاَذان في بلدان
المسلمين ليلاً ونهاراً ؟ لا أدري ولا المنجم يدري ولا القراء يدرون!!
إضافة إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إنساناً حَييّاً حسب ما
ورد في الروايات، فمن البعيد أن يتفوّه بتلك الكلمة.
3. وجوب الجهاد تحت راية كلّ برّ وفاجر
أخرج أبو داود في سننه، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم
خلف كلّمسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم
برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر. (2)
أقول: الجهاد لا ينفك عن التصرف في الاَنفس والاَعراض والاَموال،
فكيف يجب مع أمير فاجر، مع أنّه ربما يدعو إلى العيث والفساد والعصيان وقتل
الاَبرياء وهتك الاَعراض وغصب الاَموال؟
____________
1 . مسند أحمد:2|411.
2 . سنن أبي داود: 3|18 برقم 2533.
( 319 )
ولقائل أن يحمل الرواية على ما إذا دعا الاَمير الفاجر إلى البرّ والاِحسان،
ولكنّه في غير محله، لاَنّ معرفة ذلك في ميادين الجهاد أمر صعب جداً لو لم
يكن بمتعذر.
فمن مارس الجهاد في ساحات الوغى ، يعلم انّه لا يمكن لمجاهد أن
يتفحص في الاَُمور المشتبهة ويأخذ بالبر ويترك خلافه. فالحقّانّ الجهاد إنّما
هو مع إمام عادل لا الاَعم من البرّ والفاجر، والرواية من صنائع يد السياسة التي
تبغي من وراء ذلك إضفاء المشروعية على الجهاد تحت لواء الطلقاء وأبناء
البيت الاَموي.
ولكن المروي عن أئمّة أهل البيت خلاف ذلك.
قال الاِمام الرضا (عليه السلام) :والجهاد واجب مع الاِمام العادل. (1)
وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : إنّ القتال مع غير الاِمام المفترض
طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. (2)
إلى غير ذلك من الروايات.
4. قبول التوبة مع عدم الندم
أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة، عن أبي
هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يحكي عن ربّه عزّوجلّ، قال:
ذنب عبد ذنباً، فقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً
فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب، ثمّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي
____________
1 . الوسائل: 11، كتاب الجهاد، الباب 1، الحديث 24، من أبواب جهاد العدو.
2 . المصدر نفسه، الباب 12، الحديث 1، من أبواب جهاد العدو.
( 320 )
ذنبي، فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ
بالذّنب، ثمّعاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب
عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت
لك. (1)
يلاحظ عليه : أنّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على المعصية والعزم على
ترك المعاودة في المستقبل، وإلاّفلو لم يعزم على ترك المعاودة فهو دليل على
عدم ندمه.
فإذا كان هذا حقيقة التوبة التي يصبح التائب معه كمن لا ذنب له، فلم تكن
متحققة في توبة الرجل فكيف قُبلتْ توبته؟
وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على ما فعل من المعصية،
والعزم على ترك المعاودة إليها في المستقبل، وهذا هو الذي دعا إليه الذكر
الحكيم بقوله: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوبَةً نَصُوحاً) (التحريم|8).
قال الراغب: التوبة النصوح: ما يصرف صاحبه عن العودة إلى المعصية، أو
ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منها. (2)
وعلى ذلك ففي الرواية ملاحظتان:
الاَُولى: انّالظاهر من الرواية انّ التوبة لم تكن جامعة للشرائط ومنها الندم
على ما مضى، بل كان يذنب رجاء غفران الرب له من دون الندم، وهذه الفكرة
من الوهن بمكان، لاَنّ الربّ إنّما يغفر الذنوب إذا تاب العاصي توبة نصوح،
____________
1 . صحيح مسلم: 8|99، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب؛ صحيح
البخاري:9|145، باب قول اللّه تعالى(يريدون أن يبدّلوا كلام اللّه) .
2 . وقد تضافرت الروايات عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ المراد من التوبة
النصوح هو أن يتوب الرجل من العمل السيّء ثمّ لا يعود إليه أبداً، أخرجه السيوطي عن عمر بن
الخطاب، وعبد اللّه بن مسعود وابن عباس، ومجاهد، وقتادة (الدر المنثور:8|227).
( 321 )
نابعة من الندم، على ما مضى فكيف قبلت توبته في كلّمرّة؟
الثانية: انّ قوله سبحانه: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» هو في الواقع
رخصة في ارتكاب الآثام والمعاصي دون أي وازع، وحاشا للّه أن يرخّص للعبد
في ارتكاب المعاصي إلى ما شاء بمجرد انّه غفار للذنوب وإن عصى وتاب إلى
ما شاء اللّه.
5. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنع من كتابة الحديث
أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال:
كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج
علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟
فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب اللّه؟ فقلنا: ما نسمع، فقال:
اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه أو
خلّصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدَّث عنك؟ قال: نعم، تحدَّثوا عني ولا حرج،
ومن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدَّث
عن بني إسرائيل؟ قال: نعم. تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا
تحدَّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه. (1)
وفي الحديث ملاحظات:
الاَُولى: انّ هذا الحديث يعارض مع كثير ممّا يدل عن أنّ النبيرخّص في
الكتابة، ونحن نذكر موجزاً ممّا وقفنا عليه، وقد مرّ أيضاً في المقدمة.
____________
1 . مسند أحمد:3|12.
( 322 )
1. ما رواه البخاري، عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام
فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب
راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل (شك أبو عبد اللّه)
وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين. ألا وإنّها لم تحلَّ لاَحد قبلي ولم تحلَّ لاَحد
بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن،فقال:
اكتب لي يا رسول اللّه فقال: اكتبوا لاَبي فلان ـ إلى أن قال: ـ كتب له هذه
الخطبة. (1)
2. روى البخاري، عن أبي هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر
حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب. (2)
3. ما رواه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:
لما اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: ائتوني بكتاب
أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.
قال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب
اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغَّط، قال: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع.
فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. (3)
4. عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء
____________
1 . صحيح البخاري: 1|29ـ 30، باب كتابة العلم، الحديث 112.
2 . المصدر نفسه: 1|30، باب كتابة العلم، الحديث 113.
3 . صحيح البخاري: 1|30، باب كتابة العلم.
( 323 )
سمعته من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت
ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال:
اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حق. (1)
5. ما رواه نفس أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا
ذلك إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا
أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : استعن بيمينك وأومأ بيده
للخط. (2)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثة على كتابة السنة قولاً وتقريراً التي هي
فوق المال الذي هو زينة الحياة الدنيا، وقد أمر سبحانه أن يكتب الدين وقال: (يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ
بِالعَدْلِ ـ إلى أن قال: ـ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى
أَجَلِهِ)(البقرة|282).
الثانية: انّ أبا هريرة كان أُمياً لا يجيد القراءة والكتابة كما مرّفي حديث
وهب بن منبه عن أخيه همام (3) فكيف يقول كنا قعوداً نكتب ما نسمع من
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟
ولاَجل ذلك سأل رسول اللّه أن يدعو له بعدم النسيان.
قال: قلت: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال: ابسط
رداءك فبسطته فغرف بيديه، ثمّ قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده. (4)
الثالثة: انّ الرواية تصرح بأنّ أبا هريرة ومن كان معه من الجماعة الذين
____________
1 . سنن أبي داود:3|318برقم 3646، باب في كتاب العلم؛ مسند أحمد:2|162؛ سنن
الدارمي:1|125، باب من رخَّص في كتابة العلم.
2 . سنن الترمذي:5|39برقم 2666.
3 . لاحظ ص 300 من هذا الكتاب.
4 . صحيح البخاري: 1|31، باب حفظ العلم.
( 324 )
كانوا يكتبون الحديث جمعوا ما كتبوا ثمّ أحرقوه بالنار، وهو معارض لما تضافر
عن الخليفة الثاني من انّه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر
يستخير اللّه شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب
السنن وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب اللّه،
وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. (1)
فلو كان هناك حظر عن تدوين الحديث إلى حد فهم أبو هريرة وأضرابه
انّه يجب اعدام ما كُتِب بالاحراق، لما شاور عمر بن الخطاب أصحاب النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابة الحديث، بل منع عنها بلا تشاور،
فاستخارته شهراً يدل على عدم صدور نهي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الرابعة: انّ ظاهر قوله: «قلنا أي رسول اللّه أنتحدث عنك؟ قال: نعم
تحدثوا عني ولا حرج» لا يلائم مع منعهم عن كتابة الحديث إذ أيّ فرق بين
صيانة الحديث بالكتابة أو صيانته بالتحدّث، فما هو الوجه من التفريق بين
الكتابة والتحديث؟
وتصور انّ كتابة الحديث يوجب اختلاطه بالقرآن فهو اعتذار بوجه أسوأ،
فانّ القرآن معجزة بلفظه و معناه لا يشابهه غيره ولا يخالطه شيء، وقد مرّ تفنيده
في مقدّمة الكتاب فلاحظ.
والعجب مما نقله عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أجاز
التحدّث عن بني إسرائيل، قال: تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
كيف يجوّز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التحدّث عن بني إسرائيل
مع أنّهم كانوا يحرّفون التوراة والاِنجيل، وكانوا يتاجرون بكتبهم المحرفة؟ قال
____________
1 . تقييد العلم، ص 49.
( 325 )
سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ
لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا
يَكْسِبُونَ)(البقرة|79).
لا أدري ماذا يستفيد المجتمع الاِسلامي من الاِسرائيليات والمسيحيات
والمجوسيات التي لعب بها الدهر والزمان، وكانت النقلة طيلة الزمان يتاجرون
بما جاء فيها ويروون ما يوافق أهواء الجهاز الحاكم؟
والحديث وُضع لجواز التحديث عن بني إسرائيل، وقد حدَّث أبو هريرة
عن طريق كعب الاَحبار عنهم ـ أعاذنا اللّه من شرورهم ـ وأكثر ما يرويه أبو
هريرة من القصص عن بني إسرائيل منتهية إلى أُستاذه كعب الاَحبار ـ الذي قال
في حقه: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة (1) وإن صبّها
في قالب الحديث عن الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
6. من هو خالق اللّه؟
روى مسلم عن يزيد بن الاَصمّ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليسألنّكم الناس عن كلّشيء حتى يقولوا: اللّه
خلق كلّشيء، فمن خلقه؟! (2)
وأخرج أيضاً عنه، قال: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا
يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا اللّه، فمن خلق اللّه؟ قال: فبينا أنا
في المسجد إذ جاءني ناس من الاَعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللّه فمن خلق
اللّه؟! فأخذ حصىً بكفه فرماهم، قال: قوموا صدق خليلي.(3)
والحديث يعرب انّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُعلِّم أبا هريرة
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|600.
2 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.
3 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.
( 326 )
جواب السوَال، ولذلك لما سأله الاَعراب أخذ حصىً بكفّه فرماهم وأمرهم
بالقيام.
مع أنّ هذا بعيد عن أدب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ السوَال
لائق بالبحث، لاَنّه يخطر هذا السوَال في ذهن كثير من الناس، فالمترقب من
الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تنبأ عن مستقبل أبي هريرة أن
يُعلّمه الجواب.
والحديث إمّا مكذوب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وعلى فرض الصحّة فهو يعرب عن عدم استعداده لتلقي الجواب.
مع أنّ الاِمام أحمد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه علم الاَُمّة
جواب هذا السوَال، فقال: قال: قال جعفر: بلغني انّ النبيقال: إذا سألكم الناس
عن هذا فقولوا: اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل كلّ شيء، واللّه خلق
كلّ شيء، و اللّه كائن بعد كلّ شيء. (1)
ولعلّ مراده من جعفر هو جعفر بن بُر الذي روى عنه مسلم، الحديث
المتقدّم في صحيحه.
والجواب في غاية المتانة، لاَنّه سبحانه ليس ظاهرة مسبوقة بالعدم، حتى
يُسأل عن علّة الاِيجاد، فإذا كان واجبَ الوجود، كان موجوداً في الاَزل والاَبد،
ولا يتصور له العدم حتى يُسأل عن علّة الوجود، والتفصيل في محلّه.
7. انّاللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً
أخرج البخاري في صحيحه، عن همام، عن أبي هريرة ،عن النبي «صلى
الله عليه وآله وسلم» ، قال:
خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ( وزاد أحمد من طريق سعيد
ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً) فلمّا خلقه، قال:
____________
1 . مسند أحمد:2|539.
( 327 )
اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيُّونك فانّها
تحيتك وتحيَّة ذريتك.
فقال : السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللّه فزادوه «ورحمة
اللّه» فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعدُ حتّى
الآن. (1)
وفي الحديث عدّة إشكالات تسقطه عن الاعتبار وتجعله في عداد
الموضوعات:
الاَوّل: انّ الظاهر انّ الضمير على صورته يرجع إلى اللّه تبارك وتعالى
وهو نفس القول بالتجسيم ولا يرجع إلى آدم، إذ يكون مفاد الحديث عندئذٍ أشبه
بتوضيح الواضحات، لاَنّ كلّشيء مخلوق على صورته لا على صورة غيره،
وإنّما يفيد معنى جديداً وهو الاِخبار بكرامة آدم وانّه مخلوق على صورة اللّه
سبحانه، إذا عاد الضمير إلى اللّه سبحانه، وعلى هذا يلزم أن يكون للّه صورة
طولها ستون ذراعاً.
والذي يدل على أنّ الضمير يرجع إلى اللّه سبحانه هو ما روى نفس أبي
هريرة في غير مورد.
فقد روى هذا الحديث بصور مختلفة فتارة رواه كما سمعت وأُخرى
بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فانّ اللّه خلق آدم على صورته.(2)
وثالثة بأنّه إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح اللّه وجهك
ووجه من أشبه وجهك، فانّ اللّه خلق آدم على صورته. (3)
وربما يوَوَّل الحديث بإرجاع ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى اللّه
تبارك وتعالى بمعنى انّ اللّه عزّوجلّ خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها
____________
1 . صحيح البخاري: 8|50، كتاب الاستئذان ، باب بدو السلام؛ صحيح مسلم:8|149، باب يدخل
الجنة أقوام افئدتهم مثل أفئدة الطير من كتاب الجنة، ولاحظ ارشاد الساري:5|319 في باب خلق
آدم وذرّيته من كتاب بدء الخلق، فقد جاء فيه: في سبعة أذرع عرضاً
2 . صحيح مسلم : 8|32، باب النهى عن ضرب الوجه من كتاب البر والصلة والآداب.
3 . البخاري: الاَدب المفرد، ص73و74 برقم 173و174.
( 328 )
بعد هبوطه منها، إذ أنشأه تاماً مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع لم
يتغير من حال إلى حال ولم يكن مثل ذريته حتى تكون نطفة ثمّ علقة إلى أن
يكون رجلاً سوياً بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآها عليها بنوه في
الاَرض.
ولكن التأويل باطل جداً لمخالفته ما نقلناه عنه، كما يخالف ما روي عنه
مرفوعاً: خلق آدم على صورة الرحمن. (1)
كما يخالف ما روي عنه انّ موسى ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر
فقال: اشربوا يا حمير، فأوحى اللّه إليه عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي
فشبهتهم بالحمير. (2)
كلّ هذه الاَحاديث تدل على أنّ الرواية لا تقبل التأويل.
الثاني: انّه إذا كان طول آدم ستين ذراعاً فلازم تناسب أعضائه أن يكون
عرضه سبعة عشر ذراعاً وسُبع الذراع، وإذا كان عرضه سبعة أذرع يجب أن
يكون طوله أربعة وعشرين ذراعاً ونصف الذراع، لاَنّ عرض الاِنسان مع استواء
خلقه، بقدر سبعي طوله، فما بال أبي هريرة يقول طوله 60 ذراعاً في سبعة أذرع
عرضاً؟! فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوَّهاً في تركيبه؟!
الثالث: انّ تحية السلام إنّما شرعت في دين الاِسلام وقد قال رسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما حسدكم اليهود على شيء كما حسدوكم على
السلام، فلولا اختصاصه بهذه الا َُمّة ما اختصوهم بالحسد عليه، فما بال أبي
هريرة يقول في هذا الحديث: «فلما خلق اللّه آدم، قال: اذهب فسلم على أولئك
النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك فانّها تحيتك وتحية ذريتك».
وعلى أية حال فما رأي أُولي النظر في هذا الخبر؟ وماذا يقولون في قول
أبي هريرة: ولم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن ؟ (3)
____________
1 . إرشاد الساري: 5|319.
2 . كتاب تأويل مختلف الحديث، ص 180.
3 . عبد الحسين شرف الدين: أبو هريرة: 63ـ 66.