)(يس|51)وقال
____________
1 . الطحاوي، مشكل الآثار : 2|238 برقم 1983.
2 . سنن الترمذي: 5|622 برقم 3692.
( 565 )
تعالى :(ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون)(الزمر|68) إلى غير ذلك من
الآيات الصريحة في وقوع القيامة فجأة وحشر الناس جميعهم دفعة لا تدريجاً،
و هذا على خلاف ما جاء في الرواية «ثم انتظر أهل مكة ...».
7. الحط من منزلة بعض الصحابة
أخرج مسلم في صحيحه، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر، انّ رسول
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمر بقتل الكلاب إلاّ كلب صيد أو كلب غنم أو
ماشية، فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو «كلب زرع» فقال ابن عمر: إنّ لاَبي
هريرة زرعاً. (1)
يشير ابن عمر إلى ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من اتخذ كلباً إلاّ كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كلّ
يوم قيراط، قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة ، فقال: يرحم اللّه أبا
هريرة كان صاحب زرع. (2)
وكان ابن عمر يشير بقوله: إنّ لاَبي هريرة زرعاً، انّه أضاف هذا الاستثناء
لاَجل امتلاكه زرعاً وحرثاً ولولاه لما أضاف، ومعنى ذلك انّ أبا هريرة زاد على
الحديث من جانبه.
ويوَيد ذلك أمران:
أ. انّه نُقل الحديث عن أبي هريرة مرّة بلا هذه الزيادة، أخرج مسلم، عن
أبي رزين، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من اتخذ كلباً ليس بكلب صيد ولا غنم نقص من عمله كلّيوم
قيراط.(3)
ب. انّه لما ذكر لابن عمر قول أبي هريرة، أجابه بقوله: يرحم اللّه أبا هريرة
____________
1 . صحيح مسلم: 5|36 ، باب الاَمر بقتل الكلاب؛ سنن الترمذي: 4|79 برقم 1488.
2 . صحيح مسلم: 5|38، باب الاَمر بقتل الكلاب.
3 . المصدر نفسه.
( 566 )
كان صاحب زرع، فانّه يشير باسترحامه عليه إلى زلّته في ذلك النقل.
هذا هو المفهوم من الرواية، ولكن النووي حمل الرواية على غير ما هو
المفهوم عرفاً، وقال نقلاً عن العلماء:ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة ولا شكاً
فيها، بل معناه انّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه،
والعادة انّ المبتلي بشيء يُتقنه ما لا يتقنه غيره ويتعرض من أحكامه ما لا يعرفه
غيره. (1)
أقول: لم يكن الحديث حديثاً مفصلاً حتى يصعب على ابن عمر حفظه
فلو سمع من رسول اللّه لنقله بلا نقيصة، فالرسول حدّث حديثاً واحداً سمعه
كلّ من حضره من ابن عمر و أبي هريرة، ولكن نقل الثاني مع الزيادة دون الاَوّل
وابن عمر يدّعي انّه ما خانته ذاكرته، بل زاد أبو هريرة من عنده. واللّه العالم.
8. عدم وقوفه على أبسط المسائل
أخرج البخاري في صحيحه، عن سالم انّ عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه
عنهما ـ أخبره انّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتغيظ فيه رسول اللّه، ثمّ قال: ليراجعها، ثمّيمسكها حتى تطهر
ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدّة. (2)
أخرج أبو داود عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، انّه سمع عبد الرحمان
بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل
طلق امرأته حائضاً؟ قال: طلق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض على عهد
____________
1 . شرح النووي: 10|497.
2 . صحيح البخاري: 6|155، في تفسير سورة الطلاق.
( 567 )
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأل عمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد اللّه:
فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً، وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك».
قال ابن عمر: وقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (يا أَيُّهَا النَبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ
النِّساء فَطَلِّقُوهُنَّ) في قُبُلِ عدّتهنّ. (1)
إنّ غضب رسول اللّه على فعل ابن عمر كما في الرواية الاَُولى وقراءته
الآية كما في الرواية الثانية تعرب عن أنّ البيان والتشريع كان قد تم في عهد
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّه بلّغ ما يجب عليه إبلاغه وذلك
بنزول سورة الطلاق التي جاء في مطلعها قوله: (يا أَيُّها النّبيّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .
وهذا يدل على عدم وقوف عبد اللّه بن عمر على أبسط المسائل
وأوضحها وأكثرها ابتلاءً في أوساط المسلمين، ولم يكن والده أيضاً أكثر اطلاعاً
منه.
9. نفي العدوى
أخرج ابن ماجة، عن يحيى بن أبي حية، عن أبيه، عن ابن عمر ، قال: قال
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، فقام إليه
رجل أعرابي فقال: يا رسول اللّه : أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل
كلّها، قال: ذلكم القدر، فمن أجرب الاَوّل؟! (2)
وثمة تساوَلات:
1. «العدوى» عبارة عن انتقال المرض من مريض إلى سليم وهذا أمر
واضح لا يشوبه شكٌّ ومن سنن اللّه تبارك و تعالى خلق الجراثيم التي تنقل
الاَمراض، ولا ينافي ذلك تقدير اللّه سبحانه فإنّ عمل الجراثيم من تقديره
سبحانه، فلا منافاة بين العلل الطبيعية التي هي مظاهر سننه وتقاديره، والقول
____________
1 . سنن أبي داود:2|256 برقم 2185 والآية 1 من سورة الطلاق.
2 . سنن ابن ماجة: 1|34 برقم 86.
( 568 )
بالقضاء والقدر، لاَنّ تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه سبحانه ، و تأثيره من
تقديراته ، قال سبحانه: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرج بِهِ مِنَ الثَّمرات رِزقاً
لَكُمْ)(البقرة|22) أي أخرج بسبب الماء. إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على
تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه. فلما نفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ
حسب ما جاء فيها ـ العدوى بنحو مطلق بدت على وجه الاعرابي علائم
الاستغراب، و أدرك انّ ما سمعه من النبي يخالف الملموس في حياته فسأله
وقال: أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل كلّها، فكيف تنفي العدوى
وانتقال المرض من حيّ إلى آخر؟!
فما ورد في الرواية من الجواب لا يقنعه ولا يزيل استغرابه، فانّ الجواب
فيها عبارة عن قوله:«ذلكم التقدير» أي انّ الانتقال بتقديره سبحانه لا بالعدوى
مع انّه لا تنافي بين الاَمرين، وذلك لاَنّ انتقال المرض من مريض إلى صحيح،
سنة من سنن اللّه سبحانه، سنّها وقدّرها كما قدّر سائر السنن الكونية، فلا مانع
من أن يكون هناك تقدير وفي الوقت نفسه عدوى.
2. انّ المجيب في الرواية لم يقتصر بقوله: «ذلكم التقدير» بل ضمّ إليه
جواباً آخر وهو انّه لو صحّ «العدوى» فمن جرّب البعير الاَوّل إذ لم يكن هناك إلاّ
بعير واحد ابتلي بالمرض حتى يكون هو السبب للجرب.
مع أنّ هذا الجواب لا يصلح للردّ أبداً إذ يمكن أن يكون للمرض عاملان
أحدهما: «العدوى»، وثانيهما: «تأثير العوامل الطبيعية الا َُخرى».
3. كيف تنفي الرواية العدوى مع أنّ سعد بن أبي وقاص نقل عن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:
«وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا
تفرّوا منه» (1)
____________
1 . مسند أحمد: 1|174؛ سنن أبي داود برقم 3921.
( 569 )
فانّ الحديث صريح في الاعتراف بسنّة العدوى في الطاعون، ولاَجل
ذلك منع المُصحَّ أن يهبط على أرض كان فيها طاعون، كما منع من الخروج من
الاَرض التي فيها الطاعون لئلا يبتلى الآخرون به. وقد مضى الكلام فيه أيضاً عند
دراسة روايات أبي هريرة.
10. النبي يأكل ممّا ذُبح على الاَنصاب
أخرج البخاري عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني سالم انّه سمع عبد اللّه
يحدِّث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه لقي زيد بن عمرو بن
نُفَيل بأسفل «بَلْدح» وذاك قبل أن ينزل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي، فقدّم إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها.
ثمّ قال: إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم
اللّه عليه. (1)
إنّ هذه الرواية تحط من شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجهين:
الاَوّل: إنّ مفاد الحديث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأكل
مما ذبح على الاَنصاب، والشاهد على ذلك انّه قدّم إلى زيد بن عمرو سفرة ولا
معنى لتقديمه إليه سفرة غيره بل الظاهر انّه قدّم إليه نفس السفرة التي كان يأكل
منها وهذا طعن عظيم على سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لا
يخفى.
ويوَيد مضمون الرواية ما أخرجه أحمد، عن هشام بن سعيد، عن أبيه
سعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: كان رسول اللّهبمكة، هو وزيد بن حارثة،
فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نفيل، فدعوه إلى سفرة لهما. فقال: يا ابن أخي، إنّي لا
____________
1 . صحيح البخاري:7|91، باب ما ذبح على النصب و الاَصنام.
( 570 )
آكل مما ذبح على النّصب، قال: فما روَي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد
ذلك أكل شيئاً ممّا ذبح على النّصب. قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّأبي كان كما قد
رأيت وبلغك، ولو أدركك لآمن بك و اتّبعك فأستغفر له؟ قال: نعم . فاستغفر
له. فانّه يبعث يوم القيامة أُمّة واحدة. (1)
الثاني: انّ الحديث يتضمن انّ زيد بن عمرو كان أعرف بالحنفية البيضاء
من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أبى من أكله دونهص هذا ممّا لا
يمكن احتماله في حقّه عليه الصلاة والسلام.
نعم أخرجه البخاري في كتاب المناقب بصورة أُخرى ربما تكون نزيهة
عن الاِشكال، ولكن الرواية فاقدة للانسجام العام، وهي تشهد على أنّ الراوي
تصرف في الرواية لدفع الطعن، وإليك نصها:
أخرج البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللّه،
عن عبد اللّه بن عمر :
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقي زيد بن عمرو بن نُفيل بأسفل
«بلدح» قبل أن ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي فقُّدمِتْ إلى
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة، فأبى أن يأكل منها. ثمّ قال زيد: إنّي لستُ
آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه. انّ زيد ابن
عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها اللّه، وأنزل لها من
السماء الماء ، وأنبت لها من الاَرض، ثمّ تذبحونها على غير اسم اللّه، إنكاراً
لذلك وإعظاماً له. (2)
أقول: إنّ الرواية لا تخلو عن تأملات :
أ. قوله :« فقُدِّمَتْ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة» بصيغة
____________
1 . مسند أحمد:1|189.
2 . صحيح البخاري:5|40، كتاب مناقب الاَنصار، الباب 24.
( 571 )
المجهول فمن المقدِّم لها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟فلماذا لم
يذكر؟ وهذا دليل على أنّ الاَصل ما ورد في الصورة الاَُولى «فقدم إليه رسول اللّه
سفرة» وإنّما حرّفه الراوي لدفع الاِشكال.
ب. انّ الضمير في قوله: «فأبى» يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا أبى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأكل منها فالاَولى أن
يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إبائه: «إنّي لست آكل» ولكن الوارد
في الصورة الثانية انّه بعدما أبى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تكلم زيد بن
عمرو، وقال:«إنّي لست آكل».
ج. لو افترضنا صحّة قول زيد بعد عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
فالصحيح عندئذٍ أن يقول زيد: أنا أيضاً لا آكل ممّا تذبحون، ليكون تصديقاً
للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ظاهر الرواية.
د. الظاهر انّ الخطاب في كلام زيد«انّي لست آكل مما تذبحون» إلى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) والمفروض في الصورة الثانية انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيب ذلك على قريش و يمتنع من أكله، فكيف يخاطبه
زيد بن عمرو؟! و هذا يدل على أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب
الرواية ـ كان يوافق قريشاً ذبحاً وأكلاً.
كلّ ذلك يعرب عن سقم الرواية وعدم نقلها على الوجه الصحيح،
والمنقول صحيحاً هو ما رواه في باب الذبائح، و من المعلوم انّه يتضمن
أشدّالطعن على أفضل الخليقة، فالحديث مكذوب.
ثمّ إنّ ابن حجر رجح الحديث الاَوّل على الثاني، فقال في شرح الحديث
الثاني:
«فقدِّمتْ بضم القاف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » كذا للاَكثر،
وفي رواية الجرجاني:فقدَّم إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سفرة (إشارة
إلى النقل الاَوّل).
قال عياض: الصواب الاَوّل.
( 572 )
وقال ابن بطال: كانت السفرة لقريش قدموها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأبى أن يأكل منها، فقدّمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن
عمرو فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطباً لقريش: الذين قدموها أوّلاً«إنّا لا نأكل ما
ذبح على أنصابكم».
وما قاله محتمل لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك؟ فأنّي لم أقف عليه
في رواية أحد وقد تبعه ابن المنير في ذلك وفيه ما فيه. (1)
***
ثم إنّ الحديثين المذكورين تحت رقم 7 و 8 وإن لم يكونا من أحاديثه
السقيمة إلاّ أنّ الغاية من نقلهما إلفات نظر القارىَ إلى ما في مضمونهما من
الحقائق.
____________
1 . فتح الباري: 7|143، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.
( 573 )
32
جابر بن سمرة
( ... ـ 76هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة