____________
1 . مسند أحمد: 3|111.
2 . مسند أحمد:3|216.
( 659 )
اخْتَلَفَ فيهِ إِلاّالّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ
مُسْتَقيم)(البقرة|213).
وقال سبحانه: (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفينَ* إِلاّمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ
خَلَقَهُم)(هود|118ـ 119) وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تفرق
أُمّته إلى ثلاث و سبعين فرقة، ومعه كيف يطلب من اللّه سبحانه أن لا يختلفوا
ولا يتفرقوا؟
كيف استجاب اللّه دعاءه الثاني وهو عدم تسلط عدو على أُمّته.
في حين انّ التاريخ حافل بأنباء غزو المغول والصليبيين للمسلمين في
عقر دارهم.
15. النهي عن باب الاَُمراء
أخرج أبو داود عن موسى الحناط، عن أنس: انّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: يا أنس إنّ الناس يُمصّرون أمصاراً، وإنّمصراً منها يقال له
البصرة أو البُصيرة، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها
وسوقها وباب أُمرائها ، وعليك بضواحيها، فانّه يكون بها خسف وقذف
ورجف وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير. (1)
ترى أنّ رسول اللّه نهاه عن باب الاَُمراء إلاّ أنّ المواقف التي اتخذها طيلة
حياته تدل على عدم انتهائه، وإليك هذه الشواهد:
1. أخرج الترمذي عن حفصة بنت سيرين قالت: حدثني أنس بن مالك،
قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين، فجعل يضرب بقضيب له في أنفه
و يقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، قال: قلت: أما إنّه كان من أشبههم برسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)
____________
1 . مسند أحمد:3|146.
2 . سنن أبي داود: 4|113 برقم 4307.
( 660 )
ولعلّ قائلاً يقول إنّه ذهب إلى مجلس ابن زياد لاَجل نهي الاَمير عن
المنكر مع أنّه لم يصدر منه شيء كهذا يدل على تقبيح جريمة ابن زياد، بل
صدّقه في قوله: ما رأيت مثل ذلك حسناً، حيث قال: إنّه كان من أشبههم برسول
اللّه، وكان في وسعه أن يقول: ما حدّث به في غير هذا الموضع كما مرّ في
تعاطفه مع أهل البيت.
2. أخرج البخاري عن خالد بن دينار أبي خلدة، قال: سمعت أنس بن
مالك وهو مع الحَكَم أمير بالبصرة على السرير، يقول: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ... (1) فكيف عمل بما وعظ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
16. فضل عائشة...
أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد اللّه بن عبد الرحمان انّه سمع أنس
بن مالك (رض) يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام. (2)
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية في الفصاحة والبلاغة وكلماته
القصار وخطبه الطوال ورسائله إلى الروَساء والقبائل كلها تعرب عن قوّة بيانه
وفصاحته وبلاغته، فلا يمكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتفوّه بهذا
التشبيه الفارغ.
17. نوم النبي على فراش أُم سليم
أخرج مسلم في صحيحه، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن
أنس، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدخل بيت أُم سُليم فينام على
فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيَت، فقيل لها: هذا
____________
1 . سنن الترمذي: 5|659 برقم 3778.
2 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 386 برقم 1166.
( 661 )
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد
عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، قال: ففتحت عتيدها فجعلت
تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
، فقال: ما تصنعين يا أُم سُليم؟ فقالت: يا رسول اللّه نرجو بركته لصبياننا، قال:
أصبتِ. (1)
أخرج مسلم عن إسحاق بن عبد اللّه، عن أنس، قال: كان النبي لا يدخل
على أحد من النساء إلاّ على أزواجه إلاّأُمّ سُليم فانّه كان يدخل عليها، فقيل له
في ذلك فقال: إنّي أرحمها، قتل أخوها معي. (2)
إنّ معنى هذا الحديث انّ النبي كان يخلو بالاَجنبية ولا شكّ في كونه أمراً
محرماً، وقد حاول شراح الحديث، أن يزيلوا الاِشكال، فقال النووي: قد قدمنا
في كتاب الجهاد عند ذكر أُم حرام أُخت أُمّ سليم أنّهما كانتا خالتين لرسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) محرمين إمّا من الرضاع أو من النسب فتحل له
الخلوة بهما. (3)
وقال أيضاً في مكان آخر: اتفق العلماء على أنّها كانت محرماً له (صلى الله عليه وآله وسلم) واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى
خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لاَبيه أو لجدّه، لاَنّ عبد
المطلب كانت أُمّه من بني النجار. (4)
يلاحظ عليه أوّلا: أنّأنس يبرر الاَمر نقلاً عن النبي بأنّه قال: «إنّي أرحمها،
قتل أخوها معي»، ولو كانت خالة له لكان التعليل بها أفضل.
____________
1 . صحيح البخاري: 5|36؛ صحيح مسلم: 7|133؛ مسند أحمد:3|156.
2 . صحيح مسلم: 7|81. باب طيب عرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتبرك به من كتاب
الفضائل.
3 . صحيح مسلم:7|145، باب فضائل أُمّ سليم.
4 . النووي: شرح مسلم: 16|10، كتاب فضائل أُمّ سليم.
( 662 )
وثانياً: أنّ أُمّ سليم ليست خالة النبي شرعاً وبصورة مباشرة بمعنى انّها
أُخت أُمّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،وإنّما كانت من بني النجار، و بنو
النجار أخوال النبي خوَولة اعتبارية من جهة انّ هاشم بن عبد مناف قد تزوج
سلمى النجارية فولدت له عبد المطلب جدّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
فبنو النجار أخوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المعنى، وهذا لا يوجب
أن تكون كلّامرأة من بني النجار محرماً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من
الجهة الشرعية.
ولما كان هذا الاَمر لا ينبغي أن يخفى على المحقّقين، لذلك جعلوا الخبر
حول دخول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أُمّسليم بسبب الرضاعة، و
هذا أيضاً لا يصحّ، لاَنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مسترضع في بني
النجار، وعليه يكون أصل الخبر حول دخول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
عليها موضع شك، بل هو مردود لا صحة له.
18. مدّة خدمته
اختلفت الروايات في مدّة خدمته للنبي بين كونها أربع سنين إلى تسع
سنين إلى عشر سنين، فعلى ما رواه البخاري فقد خدم النبي من السنة السابعة
قُبيل غزوة خيبر.
أخرج البخاري، عن مولى المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، انّه سمع أنس
بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَبي طلحة: التمس
غلاماً من غلمانكم يخدمني فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم
رسول اللّه كلّما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: اللهمّ ، إنّي أعوذ بك من الهم
والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلَع الدين وغلبة الرجال، فلم أزل
أخدمه حتى أقبلنا من خيبر وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها (1).. الخ.
ويظهر ممّا أخرجه أحمد عن حميد، عن أنس انّه خدمه تسع سنين، قال:
____________
1 . النووي: شرح مسلم:13|61 ـ 62 برقم 160،كتاب الاَمارة، باب فضل الغزو.قد جاء
ترجمتها في أُسد الغابة:5|591؛ وسير أعلام النبلاء: 2|304 وليست فيهما أيّة إشارة إلى أمر
الخوالة.
( 663 )
أخذت أُم سليم بيدي مقدم النبي المدينة، فأتت بي رسول اللّه فقالت: يا رسول
اللّه، هذا ابني وهو غلام كاتب، قال: فخدمه تسع سنين. (1)
ويظهر من قول آخر معزو إليه انّه خدم عشر سنين.
أخرج أحمد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس، قال: خدمت النبي عشر
سنين...الخ. (2)
وأظن انّ ما أخرجه البخاري هو المعتمد، لاَنّ الطفل الذي لا يتجاوز عمره
عشر سنين هو أكثر حاجة إلى خادم ـ يخدمه ـ من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان في العقد السادس من عمره.
وعلى ضوء ذلك فيتسرّب الشكّ إلى أغلب ما روي عن أنس ممّا يرجع
إلى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل خيبر، فانّ أكثر رواياته تتمحور
حول أفعال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي شاهدها بأُم عينيه.
19. إسراء النبي قبل أن يوحى إليه
أخرج مسلم في صحيحه، عن شريك بن عبد اللّه بن أبي نَمِر، انّه قال:
سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أُسري برسول اللّهمن مسجد الكعبة انّه
جاءه ثلاثة نفر ـ قبل أن يوحى إليه ـ و هو نائم في المسجد الحرام.
أضاف مسلم وقال: وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني وقدّم
فيه شيئاً و أخر و زاد و نقص. (3)
نقل مسلم حديث ثابت البناني قبل هذا في نفس الباب، ولذلك اقتصر
____________
1 . صحيح البخاري:7|76، باب الحيس من كتاب الاَطعمة.
2 . مسند أحمد:3|124 و200.
3 . مسند أحمد:3|265؛ ولاحظ أيضاً 3|195 و231.
( 664 )
بهذا المقدار وترك التفصيل الوارد في حديث البناني.
أقول: الرواية غير صحيحة وهي مخالفة لاتّفاق المسلمين في أنّ الاسراء
كان بعد الوحي، فكيف يقول: وكان ذلك «قبل أن يوحى إليه» وقد جاء في ليلة
الاسراء بحكم الصلوات الخمس فهذا دليل على أنّه أُسري به بعد ما أُوحي إليه.
وقد اعتذر عنه النووي في شرحه، وقال: وقد جاء في رواية شريك في
هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك
بقوله: فقدم وأخّر وزاد ونقص.
منها قوله: «قبل أن يوحى إليه» وهو غلط لم يوافق عليه، فإنّ الاِسراء أقل
ما قيل فيه انّه كان بعد مبعثه بخمسة عشر سنة.
وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة
بسنة.
وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين.
وقال ابن إسحاق: اسري به (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد فشا الاِسلام
بمكة والقبائل، وأشبه هذه الاَقوال قول الزهري، وابن إسحاق إذ لم يختلفوا انّ
خديجة (رض) صلت معه بعد فرض الصلوات عليه، ولا خلاف انّها توفيت
قبل الهجرة بمدّة قيل لثلاث سنين، وقيل بخمس.
ومنها انّ العلماء مجمعون على أنّ فرض الصلوات كان ليلة الاِسراء،
فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه؟ (1)
وما ذكره النووي وإن كان حقاً لكن ليس في عبارة مسلم دلالة على أنّه رد
قول أنس: «قبل أن يوحى إليه» لعدم دلالة قوله: «فقدم فيه شيئاً وأخّر أو زاد
ونقص» على وجود الغلط في حديث البناني.
____________
1 . صحيح مسلم:1|102، باب الاِسراء برسول اللّه، من كتاب الاِيمان.
( 665 )
20. نزول آية الصلح في عبد اللّه بن أُبي
أخرج البخاري، عن معتمر، قال: سمعت أبي، انّأنساً (رض)، قال: قيل
للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
لوأتيت عبد اللّه بن أبي، فانطلق إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه و هي أرض سبخة ،فلما أتاه النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إليك عني، واللّه لقد آذاني نتن حمارك.
فقال رجل من الاَنصار منهم: واللّه لحمار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد اللّه رجل من قومه فشتما، فغضب
لكلّواحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد و الاَيدي والنعال فبلغنا
أنّها أنزلت (وَإِنْطائِفَتانِ مِنَ الْمُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما). (1)
وأخرج البخاري أيضاً، عن عروة بن الزبير ، انّ أُسامة بن زيد أخبره انّ
رسول اللّه ركب على حمار على قطيفة فدكيّة وأردف أُسامة بن زيد وراءه، يعود
سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرّ بمجلس
فيه عبد اللّه بن أُبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أُبي فإذا في
المجلس اخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الاَوثان واليهود والمسلمين
وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ الدابة، خمّر
عبد اللّه بن أُبي أنفه بردائه ثمّ قال: لا تُغبّـروا علينا، فسلّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ثمّ وقف، فنزل فدعاهم إلى اللّه وقرأ عليهم القرآن.
فقال عبد اللّه بن أُبي ابن سلول: أيّها المرْء انّه لا أحسن مما تقول إن كان
حقاً، فلا توَذينا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
____________
1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 2|567ـ 568.
( 666 )
فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا، فانّا
نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم
يزل النبي يُخفضُهُم حتى سكنوا، ثمّ ركب النبيدابته، فسار حتى دخل على سعد
بن عبادة.... (1)
أقول: لو صحّ الحديثان فهما واقعتان مختلفتان فما يرويه أُسامة بن زيد
كان قبل غزوة بدر كما هو صريح الرواية ولا غبار عليه و لم يرد فيه نزول آية
الصلح في حقّ عبد اللّه، إنّما الكلام فيما يرويه أنس حيث إنّ المخاصمة وقعت
بين من كان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أصحابه وبين أصحاب عبد
اللّه بن أبي وكانوا إذ ذاك كفاراً كما يدل عليه قوله : «فغضب لعبد اللّه رجل من
قومه...»فكيف ينزل فيهم قوله:(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا) ولا سيما إذا
كانت قصة أنس و أُسامة متحدة فانّفي رواية أُسامة «فاستبَّ المسلمون
والمشركون».
عثرة لا تقال
إنّ أنس بن مالك مثل كلّ صحابي رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
وشاهد النور عن كثب وخدمه سنين وارتوى من نمير علمه وروى روائع
أحاديثه وجمله، وعلى الرغم من ذلك فنجد انّله زلَّة في حياته عندما قام
الوصي علي بن أبي طالب (عليه السلام) يناشد الصحابة ممن سمع النبي «صلى
الله عليه وآله وسلم» يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.
روى البلاذري، قال علي (عليه السلام) على المنبر: نشدت اللّه رجلاً
سمع رسول اللّه يقول يوم غدير خم: اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه إلاّ قام
وشهد، و تحت المنبر أنس بن مالك و البراء بن عازب وجرير بن عبد اللّه
البجلي، فأعادها فلم يجبه أحد منهم، فقال: اللّهمّ من كتم هذه الشهادة وهو
____________
1 . صحيح البخاري:3|183، كتاب الصلح.
( 667 )
يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها، قال أبو وائل: فبرص
أنس وعمي البراء و رجع جرير أعرابياً بعد هجرته (1)الخ.
وروى ابن قتيبة، قال: أنس بن مالك كان بوجهه برص، ذكر قوم انّعليّاً
(رض) سأله عن قول رسول اللّه: اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، فقال:
كبرتُ سني ونسيتُ، فقال علي: إن كنت كاذباً فضربك اللّه بيضاء لا تواريها
العمامة. (2)
وقال ابن أبي الحديد: ناشد علي (عليه السلام) الناس في رحبة القصر ـ أو
قال رحبة الجامع بالكوفة ـ : أيّكم سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»؟ فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها، وأنس بن
مالك في القوم لم يقم، فقال له: يا أنس، ما يمنعك أن تقوم فتشهد، ولقد
حضرتها؟ فقال: يا أمير الموَمنين، كبرت ونسيت، فقال: اللّهمّ إن كان كاذباً فارمه
بها بيضاء لا تواريها العمامة . قال طلحة ابن عمير: فواللّه لقد رأيت الوضح به
بعد ذلك أبيض بين عينيه. (3)
لم تكن واقعة غدير خم، حادثة صغيرة يبليها مرُّ الليالي و الاَيام بل كانت
واقعة تاريخية حضرها آلاف من الصحابة في منصرفهم عن حجّة الوداع، وقد
صعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر وناشدهم بأُمور وأخذ منهم
الاعتراف ثمّ قال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» أفتُنسى مثل هذه الحادثة مع
أنّه ـ عند المناشدة ـ كان في العقد الرابع من عمره، مع أنّ أنساً هو المصدر الاَوّل
لاَفعال النبي، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها ؟
____________
1 . صحيح البخاري: 6|39 ـ 40 تفسير سورة آل عمران.
2 . البلاذري: انساب الاَشراف:2|156ـ 157.
3 . ابن قتيبة: المعارف: 201ـ 251، طبعة مصر.
( 668 )
39
السائب بن يزيد الكندي
(3 ـ 94هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة