( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 101 -

 10 - الوهابية ودعوة الأنبياء والأولياء

أورد بتصرف قول ابن تيمية : " إن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم من المشركين الذين يدعون غير الله كالذين يدعون الكواكب والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا قال تعالى ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ … ) وأورد آيات أخرى مر ذكر بعضها إلى أن قال :

" والسؤال ما الفرق بين صنيعهم وصنيع المشركين ؟ ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله ولو كان من الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فإن هذا شرك بخلاف ما يطلب أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة " .

ذكر كل ذلك ردا على القول بأن المسلمين متفقون سنة وشيعة على جواز دعوة الأولياء والأئمة ليكونوا وسيلتهم إلى الله عدا الوهابية الذين خالفوا الإجماع .


أولا : الكاتب صرح بأنه نقل كلام ابن تيمية بتصرف ولكنه بتحريف في الواقع فعبارة ابن تيمية كما في ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) وذكرت في ( مجموعة الفتاوى ) : " ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله لا من الملائكة ولا
 

 - ص 102 -

الأنبياء ولا غيرهم فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضي إلى ذلك " (1) .


والتحريف الذي قام به أنه حذف عبارة " أو ذريعة إلى الشرك " التي تبين أن ابن تيمية غير جازم في حكمه بأنه شرك ، والذي يدل على تعمد الحذف أن الكاتب في الطبعة الأولى لم يجر هذا التغيير في كلام ابن تيمية ، هذا فضلا عن إضافته آيتين لم يستشهد بهما ابن تيمية في هذا المقطع ، وهما قوله تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (2) ، وقوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ ) (3) .


ومنه يتضح أن الجزم بكفر الذي يدعو النبي (ص) بعد موته وأنه مشرك بدعوته الميت هو مذهب الوهابية ، وإن كان الحق أن الجذور الفكرية لمذهب محمد بن عبد الوهاب لم تكن إلا أفكار ابن تيمية وكلماته ، لذا من يقول بأن غير الوهابية قالوا بذلك يجب أن يبحث في غير كلمات ابن تيمية .


نعم الكاتب حاول ذلك فأورد قول الزبيدي والقدوري في الطبعة الأولى من كتابه كدليل على عدم اختصاص ذلك القول بالوهابية وابن تيمية .


واكتشف خطأه فحذف ذلك من الطبعة الثانية ، فمن الواضح أنه لا دلالة في قول الزبيدي " كره أبو حنيفة " على أن المتوسل بالأولياء مشرك ، بل بحث ابن تيمية ونقله لرأي أبو حنيفة لا يتعلق بالشرك بل الحديث عن التوسل البدعي إذ قال في ( قاعدة جليلة ) :

 

* هامش *

 

 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة - ص33 ، مجموعة الفتاوى - ج1 ص133
(2) الزمر : 3
(3) يونس : 18

 

 

 - ص 103 -

" وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة " ، إلى أن قال :
" الثالث : التوسل به بمعنى الأقسام على الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه … وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز " (1) .


ومنه يعلم أنه لا علاقة لعبارة القدوري التي نقلها ابن تيمية في ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) بالشرك .


وإذا كان قد تراجع عن تلك الأقوال كما في الطبعة الثانية من الكتاب فهل ترى إجماعا من المسلمين بشتى مذاهبهم بالحكم على من يتوسل إلى الله تعالى بالنبي (ص) ويقدمه بين يدي الله تعالى بأنه مشرك ، وهل يثبت الإجماع بنقل كلام ابن تيمية فقط ؟! مع ما فيه من الارتباك .


لذلك كان من العجب كل العجب أن يقول الكاتب بعد ذلك :
" فهل ما قال الصدر والتيجاني حق أو باطل وكذب أنه لم يقل بهذا إلا الوهابية ؟ " ، ولا يلتفت أنه حذف رأي أبي حنيفة والقدوري .


نعم إن مشكلة الوهابية تشبه إلى حد كبير مشكلة إبليس في رفض أمر الله بالسجود لآدم ، فمع وجود النصوص الشرعية الصحيحة باستحباب زيارة القبور والتبرك بآثار الأولياء نجدهم يأبون ذلك وكأنهم يريدون أن يحددوا لله جل وعلا ما هو الدين الصحيح أعاذنا الله من همزات الشياطين .


والعجب من هذا الكاتب كيف يعترض في مقدمته على تعدد الطبعات ويتهجم على بعض المؤلفين قائلا : "… لأنه من قبح عمله أنه يطبع الكتاب أكثر من مرة

 

* هامش *

 

 

(1) قاعدة جليلة - ص(49 - 50)

 

 

 - ص 104 -

ويغير الصفحات…" وهو يقوم بعد ذلك بهذا العمل ويطبع الكتاب أكثر من مرة ، بل يعنون صدر كتابه بقوله " الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة " .


ولا ندري كيف يكون طبع الكتاب أكثر من مرة وهو ما يفعله أكثر المؤلفين بقصد تنقيحه وتوضيح مطالبه وتصحيح أخطائه من قبيح العمل ؟


وكيف فاته أنه قام بذلك العمل ذاته ، فطبع الكتاب مرة أخرى وغير الجمل والكلمات لا الصفحات فقط كما هو الحال هنا ؟!


وأما تساؤل الكاتب : والسؤال ما الفرق بين صنيعهم وصنيع المشركين ؟

وهي من عبارته وليس من كلام ابن تيمية كما أراد أن يوهم القراء .
والجواب عليه واضح ، فالفرق كبير ، لأن الشيعة يقولون نعبد الله وهم يقولون نعبدهم أي الأصنام ، ومجرد الطلب والسؤال من الغير لا يؤدي إلى العبادة كما بينا في المبحث رقم ( 2 ) ، بل يشرك من ينبع طلبه من الاعتقاد بألوهية المطلوب منه ،

فأولئك قد تحققت منهم العبادة لأوثانهم واعتقدوا باستحقاقها للعبادة ، والشيعة يعتقدون بأن الله وحده يستحق العبادة لا معبود سواه فلا يعبدون غير الله عز وجل ، وهم إن كانوا يزورون قبر النبي (ص) وقبور الأئمة (ع) ويستشفعون بهم عند الله تعالى

لقضاء حوائجهم فكل ذلك بإذن من الله واستجابة لأمر الله عز وجل في مثل قوله تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1) ، قد أوردنا فيما سبق بعض الأحاديث من مصادر السنة والتي تبيح ذلك وتشرعه .

 

* هامش *

 

 

(1) المائدة : 35

 

 

 - ص 105 -

وقال الكاتب : " لو قلنا بجواز تقبيل المصحف فإنه قياس مع الفارق لأن تعظيم المصحف الذي يحوي كلام الله الذي هو صفة من صفاته لا يؤدي بالتالي إلا إلى تعظيم الله فلا يخاف على صاحبه من ذريعة الشرك بخلاف تعظيم قبر النبي فإنه ذريعة إلى تعظيم النبي وإعطائه بعض صفات الرب هذا من جهة .

ومن جهة أخرى فإن تعظيم قبر النبي (ص) واتخاذه مسجدا وعيدا قد ورد النهي الصريح عنه في غير ما حديث وهو نص في المسألة ولا اجتهاد مع النص مثل قول النبي (ص) : " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " رواه مسلم .

والشيعة يقعون في كثير من الشركيات كدعاء الأموات والطواف حول القبور والخوف منهم أكثر من الخوف من الله إلى غير ذلك " .


ما طرحه أولا هو استحسان عقلي ، نعجب كيف يتجرأ مسلم أن يتبناه ويجعله معيارا للحكم بكفر الآخرين والحكم بأنهم مشركون .


فمن أعطاك الحق أن تعتبر الفعل الذي يمكن أن يكون ذريعة للشرك هو من الشرك وأما الفعل الذي لا يمكن أن يكون ذريعة ليس من الشرك وجائز ؟


ومن سلم معك بأن تقبيل المصحف ليس ذريعة إلى الشرك وأما تقبيل قبر رسول الله هو ذريعة للشرك ؟

ألم يعبد البشر الشجر والشمس والقمر كما عبدوا تماثيل الصالحين ؟

أفـلا يمكن أن يتحول الحجر الأسود إلى صنم يعبد ؟

فلم لم يعترض أحد على تقبيل الحجر بمثل اعتراضك ؟

هل عبد أحد من المسلمين الحجر الأسود ؟

لماذا يكون تقبيل قبر رسول الله (ص) ذريعة للشرك دون تقبيل الحجر الأسود ؟
 

 - ص 106 -

ثم إن كان تعظيم رسول الله (ص) وهو ميت ذريعة للشرك لم لا يكون كذلك حال حياته ذريعة للشرك ؟ ما هو الفارق المميز ؟ فإن لم يكن هناك فارق لم أمر القرآن بتعظيمه ؟ فقال عز وجل ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) ، وقال تعالى ( لاَّ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) (2) ،


وقال عز وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) (3) .
 


بل إن القرآن دعا للمجيء إلى رسول الله للاستغفار ، فيغفر الله عز وجل لهم فقال عز وجل ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (4) ، أأمر القرآن هنا بما هو ذريعة إلى الشرك ؟!
كما أن القرآن عبر عن رسول الله (ص) أنه يغني المسلمين كما أن الله عز وجل يغنيهم فقال عز وجل ( وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (5) ، فهل يقال أن مثل هذه العبارة ذريعة إلى الشرك .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الأعراف : 157
(2) النور : 63
(3) الحجرات : 1-4

(4) النساء : 64
(5) التوبة : 74

 

 - ص 107 -

بل في المصادر الحديثية ما صح من الأمر بتعظيم النبي بعد وفاته وأن الأعمال معروضة عليه (ص) حتى بعد موته فقد نقل أبو داود في سننه كتاب الصلاة باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة عن أوس بن أوس قال : قال النبي (ص) :

" إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قال : فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ، قال : يقولون بليت ، قال : إن الله تبارك وتعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء " (1) .
 


قال ابن كثير عند تفسيره للآية 56 من سورة الأحزاب بعد ذكر الرواية عن مسند أحمد بن حنبل :
" ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث حسين بن علي الجعفي وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والنووي في الأذكار" (2) ، وقوله (ص) : " معروضة علي " واضحة وضوح الشمس في كونه (ص) حي بروحه ولا تحتاج إلى تكلف وتوضيح .
 


عجبا كيف يقال أن المصحف ليس ذريعة للشرك لأنه كلام الله الذي هو صفة من صفاته فهل المصاحف التي يقبلها المسلمون صفة من صفاته ؟! إن كان المانع كون القرآن منسوب إلى الله فمحمد (ص) هو منسوب إلى الله فهو رسول الله (ص) ؟! وهل تعظيم قبر رسول الله (ص) المصنوع من الحجر سيختلف واقعا عن تعظيم غلاف القرآن المصنوع من الورق ؟


نعم القسم الثاني من الكلام والقول بأن : " تعظيم قبر النبي قد ورد النهي عنه في غير ما حديث وهو نص في المسألة ولا اجتهاد في النص " كلام يمكن أن يكون له

 

* هامش *

 

 

(1) سنن أبي داود - ج1 ص236
(2) تفسير ابن كثير - ج3 ص522

 

 

 - ص 108 -

وجه بالنسبة للكلام الأول بل الكلام الأول يذكر كحكمة ذكرت في بعض الروايات لا أنه مطلب عقلي مستقل عن الروايات .


والمشكلة الأساسية التي تواجه الاستدلال بهذه الروايات أنها تدل على كراهة البناء على القبور كي لا يكون ذريعة للشرك كما يصرح بعض من ذكر تلك الروايات أو نقلها في المجاميع الروائية وسيأتي ذكرها ، أما الاستدلال بها على أن مجرد زيارة القبور والصلاة عندها هي من الشرك مع أن المصلي يصلي لله ولا يعتقد بألوهية صاحب القبر ، فمن أين ؟ وبأي وجه ؟ ومن قال بذلك من علماء الحديث والفقهاء الذين ملأوا آفاق البلاد على مدى الأعصار قبل الوهابية أصحاب بدعة التكفير ؟!
 


ثم إن تلك الروايات هي حجة على من يعتقد بصحتها ولا تلزم من لا يعتقد بصحتها أو يؤولها بمعنى آخر ، وأكثرها وردت في الصحيحين وجمعها مسلم تحت باب " النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد " (1) من كتاب المساجد وذكرها البخاري في أماكن متفرقة من صحيحة منها كتاب الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي (ص) " لعن الله اليهود … " وما يكره من الصلاة إلى القبور (2) ، وفي باب كراهية الصلاة في المقابر (3) .


وقد حملها عدد من علماء السنة على غير المحمل المذكور ، قال ابن حجر في ( فتح الباري ) عند شرحه لحديث " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج1 ص375
(2) صحيح البخاري - ج1 ص116
(3) نفس المصدر السابق - ص188

 

 

 - ص 109 -

" وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلا … ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثانا لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك فأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد " (1) .


ولعمري هذا المعنى هو الواضح من الروايات عند من يؤمن بصحتها ، إذ كيف يحكم بكراهة الصلاة في القبور الذي يعني الجواز ، كما هي عناوين أبواب البخاري ، ثم يقال بحرمة اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ، بل يقال بأنه من الشرك بالله كما هي مقالة الوهابية ؟ فهل الشرك مكروه في الإسلام وليس بحرام .


بل عنون البخاري في كتاب الجنائز باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (2) ، فهنا يتحدث عن كراهة البناء على المقابر ولو كان مثل الخيمة ، لذا ذكر بعدها قصة ضرب امرأة الحسن بن الحسن القبة على قبره سنة .
ومما يدل على أن الأمر لم يكن في نظرهم سوى الكراهة قول ابن حجر في ( فتح الباري ) تعليقا على الرواية :


" ترجم بعد ثمانية أبواب باب بناء المسجد على القبر قال ابن رشيد : الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة ، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخـاذ مفسـدة أو لا … ومناسبة هذا الأثر لحديث
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج1 ص525
(2) صحيح البخاري - ج2 ص111

 

 

 - ص 110 -

 الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة " (1) .


وعندما بلغ ابن حجر باب بناء المسجد على القبر قال :
" قال الزين بن المنير كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد ويؤيده بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيوجد مكان يصلي فيه سوى المقبرة فلذا نحا به منحى الجواز انتهى ، وقد تقدم أن المنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا وأما إذا أمن ذلـك فلا امتناع ، وقد يقول بالمنع مطلقا من يرى سد الذريعة ، وهو هنا متجه قـوي " (2) .


ومن يتتبع كلمات الشُّراح يرى أن المقصود بالمنع هنا الكراهة لا الحرمة فالآراء بين قائل بالكراهة في حال دون حال والكراهة مطلقا .


بل أورد البخاري في باب الجريدة على القبر خبرا أن ابن عمر رأى فسطاطا على قبر عبد الرحمن - ابن أبي بكر - فقال : " انزعه يا غلام فإنما يظله عمله " (3) ، وأورد ابن حجر عند شرحه للخبر ما يدل على أن ذلك كان بأمر عائشة بناء على نقل ابن سعد للخبر تاما وفيه يقول الغلام : تضربني مولاتي ، وفي خبر غير موصول يصرح بأن عائشة أمرت بضرب الفسطاط على القبر ووكلت به إنسانا (4) .


فعجبا هذا الذي كان مكروها في بعض أفراده أصبح شركا في زماننا يحكم بكفر فاعله فقط لأنه أضحى من فعل الشيعة ؟!

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج3 ص200
(2) نفس المصدر السابق - ج3  ص208

(3) صحيح البخاري - ج2 ص119
(4) فتح الباري - ج3 ص223

 

 - ص 111 -

ولم يفهم فقهاء الشافعية من الحديث إلا هذا المعنى المعقول ، قال الآبي في شرحه ( إكمال الإكمال ) :
" قوله ( فلا تتخذوا القبور مساجد ) النهي عن اتخاذ قبره (ص) أو قبر غيره مسجدا هو خوف المبالغة في التعظيم فيؤدي الحال إلى الكفر كما اتفق في الأمم الخالية قلت : قال بعض الشافعية : كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء

 ويجعلونها قبلة يتوجهون إليها في السجود فاتخذوها أوثانا فمنع المسلمون من ذلك بالنهي عنه فأما من اتخذ مسجدا قرب رجل صالح أو صلى في مقبرته قصدا للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك فلا حرج في ذلك واحتج لذلك بأن قبر إسماعيل عليه السلام في المسجد الحرام عند الحطيم ثم إن ذلك الموضع أفضل مكان للصلاة فيه " (1) .
 


فهل يعقل غير هذا الجمع ؟ فحديث " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يعني أنهم توجهوا للقبر وصلوا له ، وهذا أيضا معنى الحديث المروي عنه (ص) : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " أو " لا تتخذوا قبري وثنا يعبد " ، وإلا إذا قيل أن المقصود مجرد الصلاة قرب القبر فهل كل المسلمين الذين وسعوا المسجد النبوي الشريف بما يشمل القبر الشريف والذين يصلون هناك من الملعونين كاليهود والنصارى ، وهل وضع الجدار حول القبر أو بناء جدارين حتى التقيا على شكل زاوية يكذب كونهم اتخذوا قبر رسول الله (ص) مسجدا ولو بلحاظ التوسعة ؟!
 

 

* هامش *

 

 

(1) إكمال الكمال - ج2 ص426

 

 

 - ص 112 -

بل العجب أن القرآن يصرح ويأمر باتخاذ مقام إبراهيم (ع) مصلى فيقول عز وجل ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (1) ، فكيف ينهى عن الصلاة عند القبر لأنه ذريعة للشرك أما مقام إبراهيم (ع) ليس كذلك بل يأمر باتخاذه مصلى ؟


وهناك العديد من المفسرين اعتبر ( الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) في قوله تعالى ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ) (2) من المسلمين الصالحين .


فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن السدي فقال الملك : لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجدا فلأعبدن الله حتى أموت فذلك قوله ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ) (3) .


وقال الطبري في تفسيره : " وقد اختلف في قائلي هذه المقالة أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار ؟ وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى … " ثم نقل قول عبد الله بن عبيد بن عمرو : " عمّي الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا فإنهم آباء أبنائنا ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : بل نحن أحق بهم هم منا نبني عليهم مسجدا نصلي فيه ونعبد الله فيه " (4) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) البقرة : 125
(2) الكهف : 21

(3) تفسير ابن أبي حاتم - ج7 ص2353
(4) تفسير الطبري - ج9 ص281

 

 - ص 113 -

وقال الواحدي في ( الوسيط ) : " ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) وهم المؤمنون الذين لم يشكوا في البعث الملك وأصحابه
( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ) " (1) .


وقال ابن الجوزي في ( زاد المسير ) : " قوله تعالى : ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) قال ابن قتيبة : يعني المطاعين والرؤساء قال المفسرون : هم الملك وأصحابه المؤمنون اتخذوا عليهم مسجدا " (2) .


وقال البغوي في تفسيره : " ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) قال ابن عباس : يتنازعون في البنيان ، فقال المسلمون : نبني عليهم مسجدا يصلى فيه الناس لأنهم على ديننا ، وقال المشركون : نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل ديننا " (3) .


وقال الشوكاني في ( فتح القدير ) :
( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ) ذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون ، وقيل هم أهل السلطان والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين غلبوا على أمر من عداهم ، والأول أولى قال الزجاج : هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور لأن المساجد للمؤمنين " (4) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الوسيط - ج3 ص141
(2) زاد المسير - ج5 ص91

(3) تفسير البغوي - ج3 ص129
(4) فتح القدير - ج3 ص329

 

 - ص 114 -

نعم أول من تحدث عن تعارض الآية لروايات منع بناء المساجد على القبور القرطبي في تفسيره ، وإن قال قبلها : وروي أن طائفة كافرة قالت : نبني بيعة أو مضيفا فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا " (1) .


وكذلك ابن كثير في تفسيره فبعد نقل الخلاف في أنهم من المشركين أم المسلمين توقف في الحكم بأنهم ممدوحون أو لا فقال : " والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ، ولكن هل هم محمودون أو لا ؟ فيه نظر لأن النبي (ص) قال : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) يحذر ما فعلوا " (2) .


وقد نقلنا كل ذلك لنبرز أن ظهور الآية في أن القائلين ( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ) هم مسلمون ممدوحون ظهور قوي انعكس في كلمات كل هؤلاء المفسرين ، ولا يمكن معه الحكم بأن القائلين هم من المشركين لرفع التعارض بين الآية والحديث المذكور في الصحاح ، بل الأوضح هو تأويل الروايات بالتأويل الذي ذهب إليه البيضاوي وبعض فقهاء الشافعية كما نقلنا .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الجامع لأحكام القرآن - ج5 ص339
(2) تفسير ابن كثير - ج3 ص82

   
Developed by Royal Solutions