( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 11 -

 1- تكفير عقائد الشيعة
 

قيل بأن للشيعة كفريات يتبجحون بها مثل :
1- القول بالرجعة .
2- وأن أئمتهم يعلمون الغيب .
3- وأن القرآن محرف .
4- وأن الصحابة كلهم ارتدوا إلا ثلاثة وغيرها من الكفر .


نقول : يجب تحديد معيار للكفر حتى تطلق تلك العبارة على من يعتقد بالرجعة أو علم الأئمة بالغيب ، أو ارتداد الصحابة بعد النبي ( ص ) وهل صار التكفير أمر يسهل إطلاقه على من نشاء ؟ والقرآن الكريم والحديث بين أيدينا يحدد معايير الكفر ، ولندرس كل أمر على حده لنعرف هل القول به من الكفر الصريح أم لا ؟


أولا : عقيدة الرجعة
فنقول إذا اعتقد أحدنا بأن العبد الصالح عزير - كما نص القرآن - أماته الله مائة عام ثم بعثه هل يستلزم من هذا الكفر ؟ ألا يصدق على هذا الإحياء رجعة ؟ والشيعة لا يقولون في الرجعة بأكثر من هذا المعنى .
 

 - ص 12 -

بل لو فرضنا أن مسلما اعتمد على رواية غير صحيحة واعتقد بأن إنسانا مات وسيحييه الله تعالى بعد برهة من الزمن ، فهل يصح أن نطلق عليه الكفر أم يقال أنه مخطئ في هذا الاعتماد على الرواية ؟


ولا زال هذا الاعتقاد من الأمور التي جرّت على التشيع الاتهامات والافتراءات ، فعقيدة الرجعة التي تعني عودة جماعة من البشر إلى الدنيا بعد موتهم وقبل قيام الساعة لا تنافي أيا من أصول الدين ليكون هذا القول من الكفر الصريح .


بل أن هناك آيات صريحة في القرآن الكريم تدل على رجوع بعض الموتى إلى الحياة كما في إحياء قوم موسى (ع) الذين طلبوا رؤية الله جهرة فصعقوا وماتوا ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (1) ،


وكما ورد في قصة المقتول في بني إسرائيل ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (2) ،


وقصة الملأ من بني إسرائيل الذين أماتهم الله ثم أحياهم ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (3) ،


وقصة عزير ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) (4) ،


وكذلك إحياء الموتى على يد النبي عيسى (ع) ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ لطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ) (5) .
 

 

* هامش *
(1)  البقرة : 55 - 56
(2) البقرة : 72 - 73
(3) البقرة : 243


(4) البقرة : 259
(5) آل عمران : 49
 

 

 - ص 13 -

كل تلك الآيات الكريمة تدل على أن الرجوع إلى الحياة بعد الموت في عالم الدنيا أمر لا يراه القرآن من الكفر ، بل هي من أهم المعاجز التي وقعت في حياة الأنبياء (ع) فَلِم يعد القول بوقوع ذلك في آخر الزمان من الكفر الصريح ؟


بل العجب أنهم هم أنفسهم يقولون بوقوعه في آخر الزمان ، فمسلم في صحيحه ينقل خبرا فيه تصريح بإحياء الميت عند ظهور الدجال وعلى يدي الدجال نفسه كما تنص الرواية ، فهل يعدّ ذلك من الكفر الصريح ؟ أم بائك تجر وبائي لا تجر ؟


وإليك ما نقله مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة باب في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه .
أن أبا سعيد الخدري قال : حدثنا رسول الله (ص) يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال : " يأتي وهو محرم عليه

أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له : أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله (ص) حديثه فيقول الدجال : أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في

الأمر ؟ فيقولون : لا قال فيقتله ثم يحييه ، فيقول حين يحييه : والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن ، قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه " (1) .


وعليه كيف تكون عقيدة الرجعة من الكفر الصريح وهي ليست إلا الاعتقاد بعودة الميت إلى الحياة وقد تكررت الآيات التي تتحدث عن عودة الأموات إلى الحياة ، فهل القرآن ينطق بكفر صريح ؟ فبينوا لنا لِمَ هو من الكفر؟


بل أن كتب الحديث عند أهل السنة لا تخلو من تلك العقيدة ، بل اعتقد بها عدد من الصحابة منهم عمر بن الخطاب ، وذلك حينما توفي رسول الله (ص) دون أن
 

 

* هامش *
(1) صحيح مسلم - ج4 ص 2256

 

 

 - ص 14 -

يصف أحد قوله بالكفر ، فقد ذكر البخاري في كتاب الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت .


" أن عائشة (رض) زوج النبي (ص) أخبرته قالت : أقبل أبو بكر (رض) على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل ، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة (رض) فتيمم النبي (ص) - وهو مسجى ببرد حبرة - فكشف عن وجهه ، ثم

أكب عليه فقبله ثم بكى ، فقال : بأبي أنت وأمي يا نبي الله ، لا يجمع الله عليك موتتين : أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها
 ، قال أبو سلمة فأخبرني ابن عباس (رض) أن أبا بكر (رض) خرج وعمر (رض) يكلم الناس ، فقال : اجلس فأبى ، فقال :

اجلس فأبى ، فتشهد أبو بكر (رض) ، فمال إليه الناس وتركوا عمر ، فقال : أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا (ص) فإن محمدا (ص) قد مات … " (1) .


وقد بيَّن ابن سعد في ( الطبقات ) مقولة عمر فقد روى عن عائشة " أن النبي (ص) مات وأبو بكر بالسنح ، فقام عمر فجعل يقول : والله ما مات رسول الله قالت : قال عمر والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم " (2) . لاحظ قوله ليبعثنه .


وفي رواية أخرى قال ابن سعد عن أنس بن مالك قال : " لما توفي رسول الله بكى الناس فقام عمر بن الخطاب في المسجد خطيبا فقال : لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا قد مات ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن
 

 

* هامش *
(1) صحيح البخاري - ج2 ص90
(2) طبقات ابن سعد - ج1 ص 535

 

 

 - ص 15 -

عمران فلبث عن قومه أربعين ليلة والله لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات " (1) .
 


بل روى في نفس الصفحة عن العباس قوله ردا على عمر : إن رسول الله (ص) يأسن كما يأسن البشر وإن رسول الله (ص) قد مات فادفنوا صاحبكم أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟ هو أكرم على الله من ذلك فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله " (2) ، فالعباس أقر باحتمال الرجعة في كلامه من دون أن يرد أحد بأنه من الكفر .
 


لذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ) عند شرح رواية البخاري :" وأشد ما فيه إشكالا قول أبي بكر لا يجمع الله عليك موتتين ، وعنه أجوبة فقيل هو على حقيقته وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعها على غيره كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وكالذي مر على قرية وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها " (3) .


وكلام ابن حجر الأخير واضح في أن قصد عمر هو الرجعة فهل يُكفّر لذلك ؟

ولا يكفر قطعا ، فلم يكفر الشيعة فقط دون غيرهم ؟

   
Developed by Royal Solutions