( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 129 -

 14 - مخالفة الصحابة للرسول (ص) في الحديبية


حينما أشكل على الاعتقاد بكمال إيمان كل الصحابة وجهادهم بما روي في الصحاح من أنهم لم يمتثلوا أمر النبي (ص) حين قال (ص) : " قوموا فانحروا ثم احلقوا… " قال الراوي فوالله ما قام منهم رجل ، ومن اعتراض عمر على رسول الله (ص) بقوله : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ … " .


قال : أن الرد من ثلاثة أوجه :
أولا : لم يكن تأخر الصحابة عن الحلق والنحر من باب عنادهم لرسول الله (ص) ولكن ودوا لو غير رسول الله (ص) رأيه ودخل مكة أو أن ينزل وحي من الله خاصة وأن النبي (ص) كان قد وعدهم أن يدخلوا المسجد الحرام .


نقول : القول بأنهم ودوا لو غيّر رسول الله (ص) رأيه ودخل مكة أو أن ينزل وحي من الله لا يمكن قبوله مع ورود النصوص بأنه (ص) أمرهم ثلاثا فلم يطيعوا بل الأمر طال إلى أن ذهب رسول الله (ص) إلى زوجته أم سلمة وشكى لها

حال أصحابه على ما نقله البخاري قال : فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله (ص) لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا ، قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس " (1) .

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج3 ص257 كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد

 

 

- ص 130 -

حتى بعد استجابتهم لم يحلق الجميع بل بعضهم قصر ولم يحلق ، لذا كما نقل البخاري عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال : اللهم ارحم المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقـين ، قالوا : والمقصرين يا رسول

الله ، قال : والمقصرين ، وقال الليث حدثني نافع رحم الله المحلقين مرة أو مرتين ، قال : وقال عبيد الله : حدثني نافع وقال في الرابعة والمقصرين " (1) ، وقد جاء في سنن ابن ماجة التصريح بعلة تأخير رسول الله (ص) الدعاء للمقصرين عن ابن عباس قال " قيل : يا رسول الله ! لم ظاهرت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة ؟ قال : إنهم لم يشكوا " (2) .



فالمسألة أخطر من العناد إذ هو شك برسول الله (ص) والرسالة ، والصحاح تتحدث عن أهم هؤلاء المعترضين أي عمر بن الخطاب ومدى الشك الذي داخله بشكل أكثر تفصيلا فقد روى البخاري " فقال عمر بن الخطاب : فأتيت نبي الله (ص) فقلت

 : ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننـا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج2 ص213 كتاب الحج باب الحلق والتقصير
(2) سنن ابن ماجة - ج2 ص1012 كتاب المناسك باب الحلق

 

 

- ص 131 -

ونطوف به ؟! قال : بلى ، فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قـال قلت : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبـا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا عـلى الباطل ؟ قال : بلى قلت : فلم نعطي

الدنية في ديننا إذا ، قال : أيها الرجل إنه لرسول الله (ص) وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بـغرزه فوالله إنه على الحق ، قلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطـوف به ؟! قال : بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به ، قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا " (1) .



فبعد هذا يقال أن عمر لم يشك وهو لم يقبل جواب رسول الله (ص) فكرر الأمر على أبي بكر ، بل العجب أن يقال " وخاصة وأن النبي (ص) كان قد وعدهم أن يدخلوا المسجد الحرام " في حين أن اعتراضات عمر كانت بعد أن بين له رسول الله (ص) أنه لم يقصد هذا العام بقوله (ص) : " فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ " ، وكرر أبو بكر الأمر على عمر .



بل أنظر إلى أي حد بلغ الأمر بعمر فقد نقل البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله (ص) كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله (ص) ، ثم سأله فلم يجبه ثم

سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب : ثكلت أم عمر نزرت رسول الله (ص) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك ، قال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت

أن ينزل فيّ قرآن فجئت رسول الله (ص) فسلمت عليه فقال : لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج3 ص256 كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد
(2) نفس المصدر السابق - ج6 ص168

 

 

- ص 132 -

والعجب بعد هذا كله يذكر البخاري في كتاب الجزية باب إثم من عاهد ثم غدر " فقرأها رسول الله (ص) على عـمر إلى آخرها ، فقال عمر : يا رسول الله أو فتح هو ؟! قال : نعم " ، يعني بعد هذا كله بقي شاكا ويقول : " أو فتح هو ؟! " (1) .


بل شك عمر يعترف به عمر نفسه كما في رواية ابن حبان في صحيحه حيث نقل قول عمر : "والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ " (2) .


بل شك صحابة آخرين تصرح به روايات كتب التاريخ فقد روى كل من الطبري في تاريخه (3) وابن هشام في ( السيرة ) (4) وابن الأثير في ( الكامل ) (5) وابن كثير في تاريخه (6) : " وقد كان أصحاب رسول الله (ص) خرجوا وهم لا يشكون

في الفتح لرؤيا رآها رسول الله (ص) فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون … وجعل أبو جندل - ممن أسلم ولحق بالنبي بعد إبرام الصلح وطالبت به قريش وفق

معاهدة - يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ، فزاد ذلك الناس إلى ما بهم … " .
وروى البخاري أن المسلمين قالوا : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ (7) .



قال وثانيا : في الصلح نفسه أمر النبي (ص) علي بن أبي طالب أن يمحو اسمه فرفض علي ذلك ولم يجعل أهل السنة هذا الأمر مطعنا في علي " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج4 ص126
(2) صحيح ابن حبان - ج5 ص136
(3) تاريخ الطبري - ج2 ص281
(7) صحيح البخاري - ج3 ص256 كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد

(4) سيرة ابن هشام - ج3 ص264
(5) الكامل في التاريخ - ج2 ص85
(6) البداية والنهاية - ج4 ص191

 

- ص 133 -

نقول : عجبا من هذا العمى ! نذكر له مواقف من شك برسول الله (ص) ونبوته وأجابه رسول الله (ص) فلم يقتنع وعاد وكرر على أبي بكر ، ولم يقتنع بالرد ، فيعترض علينا بموقف لعلي (ع) يعبر عن تنمره في الإيمان بنبوة الرسول الله (ص)

إذ يرفض أن يمحو وصف النبوة عن اسم رسول الله (ص) ، وهذا بناء على ما روته مصادر السنة فقد روى البخاري كتاب الجزية باب المصالحة على ثلاثة أيام : " فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول

الله فقـالوا : لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله فقال : أنا والله محمد بن عبد الله وأنا والله رسـول الله قال : وكان لا يكتب قال فقال : لعلي امح رسول الله فقال علي : والله لا أمـحاه أبدا قال فأرنيه قال فأراه إياه فمحاه النبي (ص) بيده " (1) .



عجبا ممن يريد أن يبرر لعمر في حين عمر نفسه يقر بفساد ما قام به بل عظم الجرم بحيث ينقل عنه ابن كثير والطبري : " وكان عمر ( رض ) يقول مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا " (2) .



والإمام الصالحي في كتابه ( سبل الهدى والرشاد ) يقول في التنبيه التاسع والعشرين : " امتناع علي k من محو لفظ رسول الله (ص) من باب الأدب المستحب لأنه لم يفهم من النبي (ص) تحتيم محو علي بنفسه ولهذا لم ينكر عليه ولو تحتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولما أقره النبي (ص) على المخالفة " (3) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج4 ص126
(2) البداية والنهاية - ج4 ص192 ، تاريخ الطبري - ج2 ص280
(3) سبل الهدى والرشاد - ج5 ص77

 

 

- ص 134 -

وقريب من ذلك ما قاله ابن حجر في شرح الحديث في ( فتح الباري ) : " ثم قال لعلي : امح رسول الله أي امح هذه الكلمة المكتوبة من الكتاب فقال : لا والله لا أمحوك أبدا ، وللنسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي قال : كنت كاتب النبي (ص)

يوم الحديبية فكتبت هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ، فقال سهيل : لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه ، امحها فقلت : هو والله رسول الله (ص) وإن رغم انفك ، لا والله لا امحوها ، وكأن عليا فهم أن أمره له بذلك ليس متحتما فلذلك امتنع من

امتثاله ووقع في رواية يوسف بعد فقال لعلي : امح رسول الله فقال : لا والله لا أمحاه أبدا قال : فأرنيه ، فأراه إياه فمحا النبي (ص) بيده ، ونحوه في رواية زكريا عند مسلم وفي حديث علي عند النسائي وزاد "وقال : أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر يشير (ص) إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك " (1) ، انتهى .



وأما وفق روايات الشيعة فليس الأمر كما نقل في روايات أهل السنة فعبارة علي (ع) المذكورة في بحار الأنوار نقلا عن أعلام الورى هي : " يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة " (2) .
 


أما عبارة " ما أنا بالذي أمحاه ، فمحاه رسول الله (ص) بيده "، والتي نسبها القائل للمجلسي في ( بحار الأنوار ) فقد نقلها المجلسي عن ( جامع الأصول ) ، إذ قال في أولها وروى ابن الأثير في ( جامع الأصول ) عن البخاري ومسلم بسنديهما عن البراء بن عازب (3) ، وعليه من الواضح أن الرواية ليست من روايات الشيعة كما حاول القائل أن يوهم .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج7 ص503
(2) بحار الأنوار - ج20 ص362
(3) نفس المصدر السابق - ج38 ص328

 

 

- ص 135 -

قال وثالثا : " لم حلق الصحابة ونحروا بعد أن رأوا رسول الله نحر وحلق وبدون كلام منه ؟ ثم نقول بأن عليا لم يحلق ولم ينحر كباقي الصحابة فهل تعيبونه بهذا ؟ "


نقول : عجيب هذا القول ( وبدون كلام منه ) - أي من النبي (ص) - فأي معنى لأن يقال أنهم فعلوا بدون كلام منه بعد أن أمرهم ثلاث مرات فامتنعوا وأشتكى الأمر لزوجته ، كما نقلنا النصوص عن البخاري فأي قيمة لفعلهم بعد ذلك بدون كلام منه ، بل من يقول أنهم فعلوا ما أراد رسول الله (ص) فهو أراد الحلق ولذا ترحم على المحلقين دون المقصرين منهم وأخرهم إلى الرابعة .



وأما قوله بأن عليا لم يحلق ولم ينحر كباقي الصحابة فهل تعيبونه بذلك ؟


فنقول : كيف يدعى أن عليا (ع) لم يحلق ولم ينحر ، إن عليا (ع) هو نفس رسول الله (ص) كما نص القرآن الكريم على ذلك ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (1) ، أي هو نفس الآمر وهل الآمر يعصي الأمر الذي صدر منه ، وهل تريدنا أن نصدق بأن عليا لم يستجب للأمر لمجرد وجود عبارة " فوالله ما قام منهم رجل " في مصادركم .


والترمذي روى حديثا صدر عن رسول الله (ص) يوم الحديبية يبين صلابة علي (ع) في الدين عن ربعي بن حراش قال : حدثنا علي بن أبي طالب بالرحبة قال : " لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين فقالوا : يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا
 

 

* هامش *

 

 

(1) آل عمران : 61

 

 

- ص 136 -

وليس لهم فقه في الدين وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا ، قال : فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم ، فقال النبي (ص) : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه على

الإيمان قالوا : من هـو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر : من هو يا رسول الله ؟ وقال عمر : من هو يا رسول الله ؟ قال هو خاصف النعل ، وكان أعطى عليا نعله يخصفها ، ثم التفت إلينا علي فقال إن رسول الله (ص) قال : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (1) .


قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي ، وسمعت الجارود يقول : سمعت وكيعا يقول : لم يكذب ربعي بن حراش في الإسلام كذبة ، وأخبرني محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن أبي الأسود قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : منصور بن المعتمر أثبت أهل الكوفة .


فإذا وصف النبي (ص) إرسال علي (ص) إلى المشركين بأنه بعث من الله تعالى ، ثم اتبعه بوصف " يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد امتحن الله قلبه للإيمان " ، فبعد هذا يمكن أن يكون علي (ع) ممن خالف أمر النبي (ص) بالنحر و الحلق وفي نفس اليوم .
 

 

* هامش *

 

 

(1) سنن الترمذي - ج5 ص634 كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (رض)

   
Developed by Royal Solutions