( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 17 -

ثالثا : الاعتقاد بأن القرآن محرف

 
وقد قيل في موضع آخر : " أنه يجب أن يقال أن كل من قال أن القرآن محرف فهو كافر وقوله مردود مضروب به وجهه كالمجلسي والنوري الطبرسي والكليني والقمي وغيرهم وهم كفار إن لم يكونوا قد تابوا من هذا القول " .


نقول : إن تهمة القول بتحريف القرآن تهمة يحاول خصوم الشيعة إلصاقها بهم بأية طريقة بسبب وجود روايات ظاهرها ذلك ، لا يأخذ بها علماء الشيعة إلا من شذ من الأخبارية .
 

 - ص 18 -

ثم أن تحريف القرآن بمعنى أن يوجد في الكتاب المتداول بين المسلمين ما ليس من القرآن لم يقل به أحد من علماء الشيعة حتى الشيخ النوري الطبرسي على ما نقله عنه تلميذه الشيخ الطهراني في كتابه ( الذريعة ) أن الشيخ محمود الطهراني رد عليه برسالة سماها ( كشف الارتياب عن تحريف الكتاب )


فرد النوري الطبرسي رسالة جوابية قال في أولها : " إن الاعتراض مبني على المغالطة في لفظ التحريف فإنه ليس مرادي من التحريف التغيير والتبديل بل خصوص الإسقاط لبعض المنزل المحفوظ عند أهله ، وليس مرادي من الكتاب القرآن الموجود بين الدفتين فإنه باق على الحالة التي وضع بين الدفتين في عصر عثمان لم يلحقه زيادة ولا نقصان بل المراد الكتاب الإلهي المنزل " (1) .


نعم القائل بالنقص كالنوري يقول بأن الموجود كله قرآن لكن هناك من القرآن ما لم يكتب في المصحف العثماني ، وهذا ما يقول به أهل السنة كلهم ويظهر في ثلاث محاور :

الأول : الاعتقاد بوجود قرآن منسوخ التلاوة ومثاله آية الرجم .
الثاني : الاعتقاد بنزول القرآن على أحرف سبعة ولا يحوي المصحف العثماني إلا حرفا واحدا منها فقط .
الثالث : الاعتقاد بالقراءات الشاذة أي غير السبع أو العشر المتواترة .

ولو سلمنا معهم بأنه لا يلزم من القول بنسخ التلاوة الاعتقاد بنقص القرآن - وهو توجيه يصطدم مع واقع النصوص -

فما الوجه في عدم كتابة الأحرف الستة الأخرى ؟
ألا يعتبر عدم كتابتها نقص في القرآن ؟
وما الوجه في اعتقاد بعض الصحابة وغيرهم من علماء القراءات بقرآنية القراءات الشاذة ؟
 

 

* هامش *

 

 

(1) الذريعة - ج 16 ص231

 

 

 - ص 19 -

ثم مع القول بأن قرآنية الكتاب المتداول بين المسلمين وعدم قرآنية غيره أصبح من الأمور المسلمة بين المسلمين فهل كل من ينكر أمرا صحيحا ثبتت صحته بالدليل القاطع يعد كافرا وبقول مطلق ؟!
 

اقرأ الكلمات التالية لابن تيمية كما في ( مجموعة الفتاوى ) :

" والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بسط في غير موضع ، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه ، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته ، أو

اعتقـد أن الله لا يرى لقوله ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ… ) ، أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي لاعتقاده أن قوله تعالى
( فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) يدل على ذلك …


أو اعتقد أن عليا (ع) أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير وأن النبي (ص) قـال : " اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر " … أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل

الثابت ، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن كإنكار بعضهم : ( وَقَضَى رَبُّكَ ) وقال : إنما هي ووصى ربك ، وإنكار بعضهم قوله :( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ) ، وقال إنما هو ميثاق بني إسرائيل وكذلك هي في قراءة

 عبد الله وإنكار بعضهم ( أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ) إنما هي : أولم يتبين الذين آمنوا وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان
 

 - ص 20 -

على غير ما قرأها ، وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام " (1) .


وقال في موضع آخر من ( مجموعة الفتاوى ) :

" ثم من جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال : يجوز ذلك لأنه من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ : تارة يقول : ليس هو من الحروف السبعة وتارة يقول : هو من الحروف

المنسوخة وتارة يقول : هو مما انعقد إجماع الصحابة على الإعراض عنه وتارة يقول : لم ينقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن وهذا هو الفرق بين المتقدمين والمتأخرين .


ولهذا كان في المسألة قول ثالث وهو اختيار جدي أبي البركات أنه إن قرأ بهذه القراءات في القراءة الواجبة - وهي الفاتحة عند القدرة عليها - لم تصح صلاته ، لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك ، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التي أنزل عليها " .



وهناك أهمية كبيرة لما يأتي من كلام ابن تيمية إذ هو صريح في عدم وجوب الاعتقاد بنفي قرآنية غير ما هو متداول في المصحف العثماني ، أليس هذا هو قول البعض القليل من علماء الشيعة ممن قال بأن الموجود بين الدفتين قرآن كله ولكنهم لا يقطعون بعدم وجود قرآن غيره ؟


ويتابع ابن تيمية كلامه قائلا :
" وهذا القول يبتني على أصل ، وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة ، فهل يجب القطع بكونه ليس منها ؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك

 

* هامش *

 

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج20 ص22

 

 

 - ص 21 -

إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا ، وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعض هؤلاء - كالقاضي أبي بكر - بخطأ الشافعي وغيره ممن أثبت البسملة لآية من القرآن في غير سورة النمل

لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه والصواب القطع بخطأ هؤلاء ... وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت " (1) .

فبعد هذا كيف يمكن الحكم بكفر من أخطأ وقال بأن المصحف المتداول لا يحوي كل القرآن النازل على رسول الله (ص)؟!


تحقيق حول الكفر والتكفير

بل نقول لو سلم أنه اعتقد بعقيدة داخلة في الكفر هل يحكم بكفره ؟

نرجع إلى أقوال مشايخ السلفية حتى لا يستعجل بالحكم بكفر شخص بعينه ، فهناك شرط أساسي وضع من قبل علمائهم في الحكم بكفر المخالف لبعض العقائد الأساسية ، فقالوا أن المقالة قد تكون كفرا أو فسقا ولا يكفر ولا يفسق قائلها لجهل أو

تأول أو عدم بلوغ الحجة ونحو ذلك من الأعذار التي نص العلماء على اعتبارها ، وقد صرح ابن تيمية كما جاء في
( مجموعة الفتاوى ) :

" … أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية … والتكفير هو الوعيد فإنه وإن كان تكذيبا لما قاله الرسول (ص) لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم

 

* هامش *

 

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج 13 ص 214

 

 

 - ص 22 -

يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا ، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم ، فوالله لئن

قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك ، فقال الله له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك فغفر له ، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين ، لكن كان جاهلا

لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك ، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول (ص) أولى بالمغفرة من مثل هذا " (1) .

وقال في موضع آخر من ( مجموعة الفتاوى ) :

" وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده ،
أو لم يتمكن من فهمها وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن

الله يغفر له خطأه - كائنا ما كان - سواء كان في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي (ص) وجماهير أئمة الإسلام … وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة … ولا يكفر من

يفضل عليا على عثمان ، بل نصوصه صريحة الامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم ، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته … وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة لكن ما كان يكفر أعيانهم… فالذي كانوا من

ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية : أن القرآن مخلوق … ومع هذا فالإمام أحمد - رحمه الله - ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول (ص)  ،

 

* هامش *

 

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج 3 ص 147

 

 

 - ص 23 -

ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك ، وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد - حين قال القرآن مخلوق - كفرت بالله العظيم ، بين له أن هذا القول كفر ، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك ، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله " (1) .


فمن أين استقى هذا المستعجل علمه في تكفير الناس أهو من الخوارج ؟

كيف تكفر المسلم وشيخك في السلفية ابن تيمية يصرح بأن المبتدع الذي هو من اتباع الفرق الضالة يمكن أن يكون مؤمنا بالله ورسوله ولم ينطلق في عقيدته من نفاق وعدم إيمان ؟

ولذا يشدد ابن تيمية أن مثله لا يحكم بكفره ، فمن أين أحرز أن الشيخ النوري لم يكن مؤمنا بالله ورسوله في الباطن وقد أخطأ في التأويل ؟


قال ابن تيمية في ( مجموعة الفتاوى ) كتاب الإيمان الكبير :

" وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان مؤمن أو منافق فالمنافق في الدرك الأسفل من النار والآخر مؤمن
ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق ، وقد يكون تام الإيمان وهذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله في مسألة

الإسلام والإيمان وأسماء الفساق من أهل الملة لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها - ولو دعا الناس إليها - كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول (ص) وما جاء به وقد غلط في

بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا على بن أبى طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في

 

* هامش *

 

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج 23 ص 195

 

 

 - ص 24 -

غير هذا الموضع ، وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله (ص) في الباطن لم يكن كافرا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه ، وقد يكون في

بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار ، ومن قال أن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة " (1) .


هذا كله بالنسبة للسلفي إذا أراد أن يحكم بكفر أحد ليس من طائفته ، أما إذا كان الكلام عن أحد علمائهم ممن خالف ضرورة من الضرورات وقال ببدعة مكفرة فتختلف حدة اللهجة فقد صرح ابن تيمية بأنهم معذورون بل عدهم مجتهدين من أهل الأجر والثواب .


قال ابن تيمية في ( اقتضاء الصراط ) :
" فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله ، نعم قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له

لأجل تأويله إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفي فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده ، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم الصواب في خلافه وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا "
(2) .

 

* هامش *

 

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج 7 ص 138
(2) اقتضاء الصراط - ص 268

 

 

 - ص 25 -

وقال أيضا في ( الاستقامة ) :

" ثم قد يستحل بعضهم بعض أنواع الخمر بتأويل كما استحل ذلك أهل الكوفة - إلى أن قال - فالاستحلال الذي يكون من موارد الاجتهاد وقد أخطأ المستحل في تأويله مع إيمانه وحسناته هو مما غفره الله لهذه الأمة من الخطأ في قوله ( رَبَّنَا لاَ

تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) سورة البقرة 286 كما استحل بعضهم بعض أنواع الربا ، واستحل بعضهم بعض أنواع الخمر واستحل بعضهم استماع المعازف ، واستحل بعضهم من دماء بعض بالتأويل ما استحل ، فهذه المواضع التي تقع من أهل

الإيمان والصلاح تكون سيئات مكفرة أو مغفورة أو خطأ مغفورا ومع هذا فيجب بيان ما دل عليه الكتاب والسنة من الهدي ودين الحق والأمر بذلك والنهي عن خلافه بحسب الإمكان " (1) .


فهل يحل لأهل السنة أن يعذروا علماءهم الذين يقولون بمقولات تخالف ضرورات الإسلام بصورة واضحة بل يجعلون لهم الأجر ؟

ثم يلزم الشيعة بعدم إعذار العالم المخطئ في اجتهاده عندهم ؟!

بل يطالبونهم بإخراجه من الملة تعبيرا عن حسن النوايا ؟!
 

وهكذا تصدر الأحكام حينما يتظاهر الجاهل أنه من أهل العلم .


وأما الكفر عند علماء الشيعة فواضح ومحدد ، يقول السيد اليزدي في كتابه ( العروة الوثقى ) عند ذكر الأعيان النجسة
" والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة " (2) ، فالكفر هو في نظرهم إما إنكار

 

* هامش *

 

 

(1)  الاستقامة - ج 2 ص ( 188 - 189 )
(2) العروة الوثقى - ج 1 ص 67

 

 

 - ص 26 -

الألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو أمر ضروري من ضروريات الدين ولكن بشرط الالتفات إلى كونه ضروريا وبحيث يرجع إلى إنكاره إلى إنكار الرسالة .


وعليه مع كون قرآنية الموجود بين المسلمين من القرآن وعدم قرآنية غيره من ضروريات الدين فإنكاره لا يعد من الكفر ما لم يكن القائل ملتفتا إلى كونه ضروريا ويكون الإنكار بنحو يرجع إلى إنكار الرسالة والنبوة .


نعم علماء السلفية يقولون أن المسلم قد تكون عنده عقيدة كفرية من دون أن يحكم بكفره وقد نقلنا سابقا تصريح ابن تيمية حول ذلك في ( مجموعة الفتاوى ) .
 

فعليه يقال أن فلان تفوه بالكفر الصريح أو اعتقد بعقيدة كفرية من دون أن يحكم بكفره ، فهل تقال مثل هذه العبارات للصحابة ؟ وقد وقع مثل هذا الاعتقاد لأم المؤمنين عائشة في آيات الرضاع إذ صرحت بأن رسول الله (ص) مات وهي تقرأ من القرآن ، حيث لا يمكن تأويلها على أنها من نسخ التلاوة الذي حدث قبل وفاة النبي (ص) .


فقد روى مسلم في صحيحه كتاب الرضاع باب التحريم بخمس رضعات عن عائشة أنها قالت : " كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي (ص) وهن فيما يقرأ من القرآن " (1) .


فعائشة تتحدث أن الآية الأولى وهي التحريم بالعشر رضعات نسخت بآية ثانية هي التحريم بخمس رضعات وهي التي استمر الناس يقرؤونها حتى بعد وفاة رسول الله (ص) ، رغم أننا لا نرى هذه الآية الناسخة في القرآن المتداول بين المسلمين اليوم

وهو نفسه الذي جمعه الخليفة أبو بكر وأخذ به عثمان وحرق غيره من المصاحف ، ولو سلمنا أنها من الآيات منسوخة التلاوة ولكن الخبر لم يبلغ عائشة فهل اعتقادها

 

* هامش *
(1) صحيح مسلم - ج 2 ص 1075 ، ورواه أبو داود في سننه - ج 2 ص223 وكذلك النسائي في سننه - ج 3 ص298

 

 

 - ص 27 -

بنقصان هذه الآية من القرآن إلى أن بلغها الخبر وصدقت المخبر - إن صح ذلك كله - من الكفر الصريح ؟

أو هل يقال بأن الخليفة الثاني اعتقد بعقيدة كفرية نظرا لأنه كان يرى أن آية الرجم هي من القرآن ؟


فقد روى البخاري :
" … فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا

أحل لأحد أن يكذب علي ، إن الله بعث محمدا (ص) بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب

الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم …" (1) .


فعمر في خطابه يؤكد أن هناك آيات كانت تقرأ على عهد رسول الله (ص) ليست موجودة في مصحفهم ذاك الزمان .

فهل يختلف كلام النوري الطبرسي الذي قال بنقص آيات من القرآن عن كلام كل من عمر وأم المؤمنين عائشة ؟

فهل نتجرأ ونقول أنهم اعتقدوا بعقيدة كفرية من دون الحكم بكفرهم أم نكتفي بتخطئتهم فقط ؟

 

* هامش *
(1) صحيح البخاري - ج 8 ص208

 

 

 - ص 28 -

بل الأمر أخطر حينما نعرف باعتقاد عبد الله بن مسعود بزيادة شيء في كتاب الله بسبب عقيدة بأن المعوذتين ليستا من القرآن، أو اعتقاد أبي بن كعب بسورتي الحفد والخلع وإنهما من القرآن الكريم ولكنهما لم تكتبا في مصحف عثمان ، راجع ( الإتقان ) للسيوطي (1) .
 


وإذا قيل أن الفارق هو أن مقالة هؤلاء الصحابة كانت قبل التجميع النهائي للقرآن الكريم الذي تم في عهد عثمان بينما كلام النوري وغيره هو بعد ذلك فيحكم بكفر النوري هنا وعدم كفر عمر وعائشة هناك نقول :

أولا : هذا القول تشكيك خطير في القرآن إذ يعني عدم تواتر القرآن في مرحلة تاريخية معينة أي في الزمن الذي تحدث به عمر أو تحدثت به أم المؤمنين بذلك الحديث ، نعم تستطيع منع التواتر ما دام الوحي لم ينقطع ولكن مع انقطاع الوحي القرآني

ومرور الوقت المعتد به لتعلم القرآن هل يمكن فرض عدم تواتر القرآن وخاصة في مثل زمن خلافة عمر بن الخطاب ؟ أليس تواتر القرآن عند جميع طبقات المسلمين ابتداء من عصر الرسالة وعصر الصحابة وإلى زماننا من الأمور المتواترة بين المسلمين ألا يكفر المنكر لذلك ؟ لو صدر هذا القول من شيعي لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها .
 


ثانيا : لو سلمنا أن المقصود أن النص القرآني تأخر تواتره ، فما يذكر عن ابن مسعود وأبي بن كعب يذكر عند الحديث عن الفرق بين مصحفيهما ومصحف عثمان أي هي عقيدتهم إلى زمن جمع المصاحف على الأقل بل إن أحد محاور الخلاف بينهما وبين عثمان هي قضية حرق المصاحف فهل تأخر تواتر القرآن إلى ذلك الزمن .

 

* هامش *
(1) الإتقان في علوم القرآن - ج1 ص226

 

 

 - ص 29 -

وأما قول عمر بالنسبة لآية الرجم فظاهر عبارته بل صريح ما نقل عنه أنه لم يعتقد بأنها منسوخة التلاوة بل كان يفكر بأن يضيفها لكتاب الله لولا خوفه من قول الناس زاد عمر في كتاب الله كما صرح هو بنفسه وهي عبارة تدل على أن هناك شيء

واضح ومحدد متواتر بين الناس في زمانه ، فكيف يقال أن القرآن غير متواتر زمن عمر وهو يقر بهذا النص أن هناك مقدار واضح من القرآن عند الناس الذين سيقولون إن عمر زاد في كتاب الله لو كتب آية الرجم ؟



قال ابن حجر في ( فتح الباري ) :
" وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس فقال : أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة ثم قال :

إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله (ص) ورجمنا ، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال مالك : الشيخ والشيخة

الثيب والثيبة ووقع في ( الحلية ) في ترجمة داود ين أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر ( لكتبتها في آخر القرآن ) ووقعت أيضا في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها في الباب الذي يليه فقال متصلا بقوله قد رجم رسول

الله (ص) ورجمنا بعده : ( ولولا أن يقولوا كتب عمر ما ليس في كتاب الله لكتبته قد قرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) " (1) .

 

* هامش *
(1) فتح الباري - ج12 ص143

 

 

 - ص 30 -

فبعد كل هذه الروايات يقال أن عمر كان يراها منسوخة التلاوة ، فكيف يفسر تصريحه بأن المانع من كتابتها في المصاحف هو خوفه من أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله !


وأما قول عائشة فقد صدر إما في أيام الجمع النهائي أو بعدها فلا يختلف الحال بينها وبين الشيخ النوري ، والدليل على ذلك
أن الراوي عن أم المؤمنين عائشة حديث الآيات الناسخة للرضعات العشر التي تحرمن والتي توفي رسول الله (ص) وهن

مما يقرأ من القرآن هي عمرة بنت عبد الرحمن التي توفيت عام 98 أو 103 أو 106 عن عمر يناهز 77 عام على ما نقله ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمتها .


فعلى أحسن تقدير نقول أنها ولدت عام 21 للهجرة فإذا أضفنا إليها عشر سنوات لتكون قادرة على السماع من عائشة فهذا يعني أنها سمعت كلام عائشة عام 31 للهجرة ، بينما التجميع الثالث للقرآن الكريم كان عام 25 للهجرة ، قال السيوطي في ( الإتقان ) عند الحديث عن الجمع الثالث في زمن عثمان :


" قال ابن حجر : وكان ذلك في سنة خمس وعشرين قال : وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر له مستندا " (1) .

 

* هامش *
(1) الإتقان - ج1 ص209

   
Developed by Royal Solutions