( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 264 -

 أولا : الموارد التي ذكرها من كتب السنة :

المورد الأول :

قال : روى البخاري عن عكرمة قال : إن عليا حرق قوما فبلغ ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي (ص) قال : لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم كما قال رسول الله (ص) من بدل دينه فاقتلوه .

 

- ص 265 -

نقول : مادام صرح بأن الراوي للحديث هو عكرمة فمن الجدير عرض ما ذكره ابن حجر العسقلاني عن عكرمة هذا في مقدمته على شرح البخاري حينما يتعرض لرجال البخاري الذين طعن فيهم ، يقول :

" عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقرونا بسعيد بن جبير وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك وصنفوا في الذب عن عكرمة

 … فأما أقوال من وهاه فمدارها على ثلاثة أشياء على رميه بالكذب ، وعلى الطعن فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج ، وعلى القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز الأمراء فهذه الأوجه الثلاثة يدور عليها جميع ما طعن به فيه … " (1) .



ثم أخذ ابن حجر في عد من كذب عكرمة فقال :
" فالوجه الأول فيه أقوال فأشدها ما روى عن ابن عمر أنه قال لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس ، وكذا ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال ذلك لبرد مولاه ، فقد روى ذلك عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن سعيد بن

المسيب ، وقال إسحاق بن عيسى بن الطباع سألت مالكا أبلغك أن ابن عمر قال لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس ، قال : لا ، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه ، وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد

دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد عنده ، فقلت : ما لهذا ؟ قال : إنه يكذب على أبي ، وروى هذا أيضا عن عبد الله بن الحارث أنه دخل على علي ، وسئل ابن سيرين عنه ، فقال : ما يسوءني أن يدخل الجنة ولكنه كذاب ،
 

 

* هامش *

 

 

(1) مقدمة فتح الباري - ص425

 

 

- ص 266 -

وقال عطاء الخراساني قلت : لسعيد بن المسيب إن عكرمة يزعم أن رسول الله (ص) تزوج ميمونة وهو محرم فقال : كذب مخبثان .


وقال فطر بن خليفة قلت لعطاء : إن عكرمة يقول سبق الكتاب الخفين ، فقال : كذب سمعت ابن عباس يقول : أمسح على الخفين وإن خرجت من الخلاء ، وقال عبد الكريم الجرزي : قلت لسعيد بن المسيب : إن عكرمة كره كرى الأرض ، فقال : كذب سمعت ابن عباس يقول : إن أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء .


وقال وهب بن خالد : كان يحيى بن سعيد الأنصاري يكذبه ، وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره : كان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه ، وقال الربيع : قال الشافعي وهو يعني مالكا سيء الرأي في عكرمة قال : لا أرى لأحد أن يقبل حديث عكرمة ، وقال عثمان بن مرة قلت للقاسم : إن عكرمة قال : كذا ، فقال : يا ابن أخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية .


وقال الأعمش عن إبراهيم لقيت عكرمة فسألته عن البطشة الكبرى ، فقال : يوم القيامة ، فقلت : إن عبد الله يعني ابن مسعود كان يقول البطشة الكبرى يوم بدر ، فبلغني بعد ذلك أنه سئل عن ذلك فقال : يوم بدر .


وقال القاسم بن معن بن عبد الرحمن : حدثني أبي حدثني عبد الرحمن ، قال : حدث عكرمة بحديث فقال : سمعت ابن عباس يقول كذا وكذا ، قال فقلت : يا غلام هات الدواة قال : أعجبك فقلت : نعم ، قال : تريد أن تكتبه قلت : نعم قال : إنما قلته برأيي


وقال ابن سعد قال كان عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه وليس يحتج بحديثه فهذا جميع ما نقل عن الأئمة في تكذيبه على الإبهام " (1) .

 

* هامش *

 

 

(1) مقدمة فتح الباري - ص425

 

 

- ص 267 -

فهل يمكن بعد ذلك الإلتفات إلى الدفاع عن البخاري في الاعتماد عليه كما حاول أن يقوم بذلك ابن حجر وبعض المتعبدين بصحة كل ما في البخاري ؟


ثم أن ابن حجر نفسه في كتاب الجهاد من ( الفتح ) قال : " وفي رواية بن أبي عمر ومحمد بن عباد عند الإسماعيلي جميعا عن سفيان قال : رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارا الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين حرقهم علي فقال أيوب فذكر الحديث ، فقال عمار :لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم " (1) .
إذن هناك من ينكر الحادثة وإنه لم يكن إحراق في البين .


وذهب ابن جرير الطبري في كتابه ( تهذيب الآثار ) (2) ، مسند علي (ص) أن الذي حدث هو قتلهم ثم إحراق جيفهم وأورد أخبار كثيرة تثبت ذلك ، وذكر خبر الغلاة وفيه : " فضرب أعناقهم ، ثم حفر لهم حفر النار وألقاهم فيها " (3) .
إضافة إلى ذلك فهناك سؤال : على فرض صحة الحديث من أين الجزم بصحة رأي ابن عباس وخطأ علي (ع) ؟


لاحظ ما ذكره ابن حجر في ( الفتح ) في كتاب استتابة المرتدين : " فبلغ ذلك عليا ، فقال : ويح أم ابن عباس ، كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض عليه ورأى أن النهي للتنزيه كما تقدم بيان الاختلاف فيه ، وسيأتي في الحديث الذي يليه مذهب معاذ في ذلك وأن الإمام إذا رأى التغليظ

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج6 ص151
(2) تهذيب الآثار - ص70

(3) نفس المصدر السابق - ص82

 

- ص 268 -

بذلك فعله ، وهذا بناء على تفسير كلمة ويح بأنها رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد التحريم مطلقا فأنكر " (1) .


وقال ابن حجر : " قوله ( فأمر به فقتل ) في رواية أيوب فقال : والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه ، وفي رواية الطبراني التي أشرت إليها : فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار ويؤخذ منه أن معاذا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته وترهيبا عن الإقتداء به " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج12 ص271

(2) نفس المصدر السابق - ص274

   
Developed by Royal Solutions