( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 268 -

المورد الثاني:
قال : روى البخاري عن علي بن أبي طالب : أن رسول الله طرقني وفاطمة ليلة فقال : ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول الله أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول : ( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) .



نقول : الحديث صحيح وفق المقاييس الرجالية المشهورة عند علماء الحديث من أهل السنة ، ولكن اشتهار علي d بالعبادة وقيام الليل هو أمر معروف عند جميع العلماء ، ويكفي ذلك لكي يوصف هذا الحديث بالشذوذ ؟ لكنها ضوابط ذكروها لكي تجرى في بعض الروايات دون الأخرى والمقياس هو الأهواء ، والشذوذ واضح
 

- ص 269 -

إلى درجة ترى أن علماءهم يصرحون بورود الإشكال على المتن مع تبنيهم لصحة الرواية .


قال الألوسي في تفسيره بعد نقله الرواية المذكورة : " لا شبهة في الحديث إلا أن فيه إشكالا يعرف بالتأمل ، ولا يدفعه ما ذكره النووي حيث قال : " المختار في معناه أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا ولهذا ضرب فخذه ، وقيل : قال (ص) ذلك تسليما لعذرهما وأنه لا عتب " (1) .


فترى أن المحاولات التي يسعى بها علماء السنة في شرح الحديث تنبع من شذوذ الحديث ونكارة متنه في حق علي (ع) ، وكم من حديث صحيح الإسناد يرفضونه لأنه شاذ ومع ذلك يقبلون مثل هذا الحديث ويضعونه في الصحاح .


ألا يرون أن هذا الحديث ينافي قوله تعالى في حق الصحابة : ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) (2) ، وعلي (ع) أولهم ودخوله فيهم متفق عليه بين الشيعة والسنة ، ولذا ترى بعضهم حاول أن يبين الحادثة المزعومة بشكل لا يبدو فيها منقصة لعلي (ع) .


فقد نقل ابن حجر في ( فتح الباري ) عن ابن بطال عن المهلب قال : " فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل حيث قنع (ص) بقول علي (رض) : أنفسنا بيد الله ، لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل ولو كان فرضا ما عذره ، قال : وأما ضربه فخذه وقراءته الآية فدال على أنه ظن أنه أحرجهم فندم على إنباههم كذا " (3) .

 

* هامش *

 

 

(1) تفسير الآلوسي - ج9 ص432
(2) الفتح : 29

(3) فتح الباري - ج3 ص11

 

- ص 270 -

وذكر ابن حجر في ( الفتح ) : " ونقل ابن بطال عن المهلب ما ملخصه أن عليا لم يكن له أن يدفع ما دعاه إليه النبي (ص) من الصلاة بقوله ذلك بل كان عليه الاعتصام بقوله ، فلا حجة لأحد في ترك المأمور انتهى ، ومن أين له أن عليا لم يمتثل ما دعاه إليه فليس في القصة تصريح بذلك ، وإنما أجاب علي بما ذكر اعتذارا عن تركه القيام بغلبة النوم ، ولا يمتنع أنه صلى عقب هذه المراجعة إذ ليس في الخبر ما ينفيه .


وقال الكرماني حرضهم النبي (ص) باعتبار الكسب والقدرة الكاسبة ، وأجاب علي باعتبار القضاء والقدر ، قال : وضرب النبي (ص) فخذه تعجبا من سرعة جواب علي ، ويحتمل أن يكون تسليما لما قال .


وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : في هذا الحديث من الفوائد مشروعية التذكير للغافل خصوصا القريب والصاحب لأن الغفلة من طبع البشر فينبغي للمرء أن يتفقد نفسه ومن يحبه بتذكير الخير والعون عليه ، وفيه أن الاعتراض بأثر الحكمة لا

يناسبه الجواب بأثر القدرة وأن للعالم إذا تكلم بمقتضى الحكمة في أمر غير واجب أن يكتفي من الذي كلمه في احتجاجه بالقدرة ، يؤخذ الأول من ضربه على فخذه ، والثاني من عدم إنكاره بالقول صريحا ، قال : وإنما لم يشافهه بقوله ( وَكَانَ

الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) (1) لعلمه أن عليا لا يجهل أن الجواب بالقدرة ليس من الحكمة ، بل يحتمل أن لهما عذرا يمنعهما من الصلاة فاستحيا علي من ذكره ، فأراد دفع الخجل عن نفسه وعن أهله فاحتج بالقدرة ، ويؤيد رجوعه (ص) منهم مسرعا

 

* هامش *

 

 

(1) الكهف : 54

 

 

- ص 271 -

قال : ويحتمل أن يكون علي أراد بما قال استدعاء جواب يزداد به فائدة ، وفيه جواز محادثة الشخص نفسه بما يتعلق بغيره ، وجواز ضربه بعض أعضائه عند التعجب وكذا الأسف " (1) انتهى كلام ابن حجر .


والقارئ يرى التكلف والجهد المبذول في شرح الحديث بالشكل الذي يحرص فيه علماء الحديث أن لا يتعارض مع العلم بعبادة وخضوعه (ع) للنبي (ص) وبين رفضه القيام للصلاة ، كل ذلك لتقيدهم بمقولة أن كل ما في كتاب البخاري صحيح ، هذه المقولة التي لم يرد فيها كتاب ولا سنة ، وأما أهل الجهالة فكل جهدهم الإساءة إلى علي (ع) لأنهم من سنخ معاوية .



علة الحديث
ويغلب على الظن أن علة الحديث هو ابن شهاب الزهري عالم البلاط الأموي فقد نقل عنه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) الواقعة التالية والكلام للزهري قال : " قال لي - عبد الملك بن مروان - قد فرضت لك فرائض أهل بيتك ثم التفت إلى قبيصة

فأمره أن يثبت ذلك في الدواوين ، ثم قال : أين تحب أن يكون ديوانك مع أمير المؤمنين هاهنا أم تأخذه ببلدك ، قال : قلت يا أمير المؤمنين أنا معك فإذا أخذت الديوان أنت وأهل بيتك أخذته ، قال : فأمر بإثباتي ونسخة كتابي أن يوقع بالمدينة … ، قال

: ثم خرج قبيصة بعد ذلك قال : إن أمير المؤمنين قد أمر أن يثبت في صحابته وأن يجرى عليك رزق الصحابة وأن يرفع فريضتك إلى أرفع منها فأكرم باب أمير المؤمنين … ولزمت عسكر عبد الملك وكنت أدخل عليه كثيرا ، قال : وجعلني عبد الملك فيما يسائلني يقول من لقيت فجعلت أسمي له وأخبره بمن لقيت من

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج13 ص314

 

 

- ص 272 -

قريش لا أعدوهم … قال : وتوفي عبد الملك بن مروان فلزمت الوليد بن عبد الملك حتى توفي ثم سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك فاستقضى يزيد ابن عبد الملك على قضائه الزهري وسليمان بن حبيب المحاربي جميعا

قال : ثم لزمت هشام بن عبد الملك قال : وحج هشام سنة ست ومئة وحج معه الزهري فصيره هشام مع ولده يعلمهم ويفقههم ويحدثهم ونجح معهم فلم يفارقهم حتى مات بالمدينة " (1) .



وقال ابن عساكر :
" قال - الزهري - : فخرجت فتجهزت حتى قدمت المدينة فجئت سعيد بن المسيب في مجلسه في المسجد فدنوت لأسلم عليه فدفع في صدري ، وقال : انصرف وأبى أن يسلم علي قال : فخشيت أن يتكلم بشيء يعيبني به فيرويه من حضره قال :

فتنحيت ناحية قال : واتبعته ليخلو فلما خلا وبقي وحده مشيت إلى جنبه فقلت : يا أبا محمد ما ذنبي أنا ابن أخيك ومن مؤديك قال : فما زلت أعتذر إليه وأتنصل إليه وما يكلمني بحرف وما يرد علي بكلمة حتى إذا بلغ منزله واستفتح ففتح له فأدخل رجله ثم التفت إلي فقال : أنت الذي ذهبت بحديثي إلى بني مروان ؟ " (2) .



ونقل ابن عساكر في نفس الجزء :
" عن نافع بن مالك عم مالك بن أنس قال : قلت للزهري : أما بلغك أن رسول الله (ص) قال : ( من طلب شيئا من العلم الذي يراد به وجه الله يطلب به شيئا من عرض الدنيا دخل النار ) فقال الزهري : لا ما بلغني هذا عن رسول الله (ص) فقلت

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ دمشق - ج5 ص324

(2) نفس المصدر السابق - ص298

 

- ص 273 -

 له : كل حديث رسول الله (ص) بلغك ؟ قال : لا ، قلت : فنصفه ؟ قال : عسى ، قلت : فهذا في النصف الذي لم يبلغك " (1) .


ونقل عن الشافعي قوله :
" يقولون نحابي ولو حابينا لحابينا الزهري ، وإرسال الزهري ليس بشيء وذاك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم " (2) .


ونقل : عن يزيد بن الهذلي عن مكحول قال : " إنما الزهري عندنا بمنزلة الجراب يؤكل جوفه ويلقى ظرفه " .


وعن علي بن حوشب الفزاري قال : " سمعت مكحولا وذكر الزهري ، فقال : كل كليله وكانت به لكنة ، قال يزيد : قل قليله أي رجل هو لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك " (3) .


ونقل عن عمرو بن رديح قال : " كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي فرآني عمرو بن عبيد فلقيني بعد فقال : ما لك ولمنديل الأمراء يعني ابن شهاب " (4) .


ومن هنا قدح فيه ابن معين كما في ( تهذيب التهذيب ) عند ترجمته للأعمش قال : "حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال : أجود الأسانيد الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، فقال له إنسان : الأعمش مثل الزهري ، فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟ الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أمية والأعمش فقير صبور مجانب للسلطان ورع عالم بالقرآن " (5) .

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ دمشق - ج55 ص366
(2) نفس المصدر السابق - 368
(3) نفس المصدر السابق - 368

(4) نفس المصدر السابق - 368
(5) تهذيب التهذيب - ج4 ص195

 

- ص 274 -

وروى الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) عن أبو داود حدثنا شعبة قال : " خرجت أنا وهشيم إلى مكة … فما قدمنا مكة مررت به وهو قاعد مع الزهري فقلت : أبا معاوية من هذا ؟ قال : شرطي لبني أمية فلما قفلنا ، جعل يقول حدثنا الزهري فقلت: وأين رأيته ؟ قال : الذي رأيتـه معي ، قلت : أرني الكتاب فأخرجه فخرقته " (1) .
 


وروى ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) عن إبراهيم الجعفري قال : كنت عند الزهري أسمع منه فإذا عجوز قد وقفت عليه فقالت : يا جعفري لا تكتب عنه فإنه مال إلى بني أمية وأخذ جوائزهم ، فقلت : من هذه ؟ قال : أختي رقية خرفت ، قالت : خرفت أنت كتمت فضائل آل محمد (2) .
 


فهل بعد كل تلك الخدمة للزهري في البلاط الأموي ولآل مروان الذين انشغلوا بسب علي (ع) مدة سبعين عاما على منابرهم وكتمان فضائل آل البيت (ع) وذلك البغض الشديد لعلي (ع) يمكن أن تقبل رواية من الزهري في حق علي (ع) ولمجرد أن البخاري نقلها في صحيحه ؟

 

 

* هامش *

 

 

(1) سير أعلام النبلاء - ج7 ص226
(2) تاريخ دمشق - ج42 ص228

 

   
Developed by Royal Solutions