( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 287 -

 المورد السادس
قال : روى البخاري دخل العباس وعلي على عمر فقال العباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا … فاستب علي وعباس … " قال : كيف يسب علي عمه العباس ؟


قال ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري ) : " ( فقال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ) زاد شعيب ويونس
( فاستب علي وعباس ) ، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض ( اقض بيني وبين هذا الظالم ، استبا ) ، وفي رواية جويرية ( وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ) ، ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء بخلاف ما يفهم قوله في رواية عقيل ( استبا ) " (3) .


إذ الرواية في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب حكم الفيء بلفظ " فأذن لهما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين ، فاقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن " (4) ولم ينسب إلى علي (ع) أنه صدر شيء منه تجاه عمه .
 

 

* هامش *

 

 

(3) فتح الباري - ج6 ص205

(4) صحيح مسلم - ج3 ص1377

 

- ص 288 -

ثم تابع ابن حجر قائلا : " واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال : لعل بعض الرواة وهم فيها ، وإن كانت محفوظة ، فأجود ما تحمل عليه أن العباس قالها دلالا على علي لأنه عنده بمنزلة الولد ، فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمد قال : ولا بد من هذا التأويل لوقوع ذلك بمحضر الخليفة ومن ذكر معه ولم يصدر منهم إنكار لذلك مع ما علم من تشددهم في إنكار المنكر " (1) .



وقال ابن حجر في ( الفتح ) : " قال ابن التين : معنى قوله في هذه الرواية ( استبا ) أي نسب كل واحد منهما الآخر إلى أنه ظلمه وقد صرح بذلك في هذه الرواية بقوله ( اقض بيني وبين هذا الظالم ) قال ولم يرد أنه يظلم الناس وإنما أراد ما تأوله في خصوص هذه القصة ولم يرد أن عليا سب العباس بغير ذلك لأنه صنو أبيه ، ولا أن العباس سب عليا بغير ذلك لأنه يعرف فضله وسابقته ، وقال المازري : هذا اللفظ لا يليق بالعباس وحشا عليا من ذلك فهو سهو من الرواة ، وإن كان لا بد من صحته فليؤول بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر … " (2) .



وأما الكرماني فقد قال في شرحه لصحيح البخاري: " ( استبا ) أي تخاشنا في الكلام وتكلما بغليظ القول كالمستبين " (3) .


وأما القاضي عياض فقد قال في ( إكمال المعلم ) : " وقول العباس : ( اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الخائن الغادر ) قال الإمام - المازري - اللفظ الذي وقع من العباس لا يليق بمثله وحاشا عليا منه أن يكون به بعض هذه الأوصاف فضلا عن

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري الصفحة السابقة
(2) فتح الباري - ج13 ص280

(3) شرح صحيح البخاري للكرماني - مجلد 12 - ج25 ص50

 

- ص 289 -

كلها أو عن يلم بها ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي (ص) أولمن شهد له بها لكنا مأمورون بتحسين الظن بالصحابة (رض) ونفي كل رذيلة عنهم وإضافة الكذب لرواتها عنهم ، إذا استدت طرق التأويل وقد حمل بعض الناس هذا الرأي على أن أزال من نسخته ما وقع في هذا الحديث من هذا اللفظ ، وما هو بعده مما هو في معناه تورعا عن إثبات مثل هذا ، أو لعله يحمل الوهم على رواته " (1) .


أنظر أخي كيف يشكك علماء السنة في صحة نسبة هذا الأمر إلى العباس ، وكيف يستعجل إنسان بجهالته ويقطع بنسبة هذا الأمر إلى علي (ع) ، فهؤلاء التفتوا إلى أن إثبات مثل هذه الأقوال إلى الصحابة يضر بعدالتهم وقدسيتهم التي يؤمنون بها ، وأما الجاهل فلا يستطيع أن يلتفت إلى ذلك لأن ولعه بإثبات أخطاء لعلي (ع) أعماه .


ثم يتابع المازري كلامه قائلا : " وإن كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ولا يضاف الوهم إلى رواته فأمثل ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه ، لأنه في الشرع أنزل منزلة أبيه ، وقال في ذلك ما لا يعتقد أنه مخطئ فيها أو

أن هذه الأوصاف وقع فيه على مذهبه من غير قصد لها بل كان علي (رض) متأولا فيها … " وتابع كلامه قائلا :
" ومن الدليل على أن هذه الطريقة هي التي تسلك في التأويل أو ما في معناها أن مجلسا حضر فيه عمر بن الخطاب (رض)

وهو أمير المؤمنين وقد عرف من تشدده في الحدود والأعراض وبعده عن المداهنة ما فات به الناس وفيه عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزيبر وسعد ( رض ) ثم قال هذا ولا ينكره منكر … وما ذلك إلا لما تأولناه من أنهم فهموا بقرينة الحال أنه قال ما لا يعتقد على جهة المبالغة في الزجر

 

* هامش *

 

 

(1) إكمال المعلم - ج6 ص77

 

 

- ص 290 -

لعلي ( رض ) وزاد له حرمة الأب والأب لا ينبغي أن ينصف منه في العرض هذا عندي وجه تأويل ما وقع في هذا " انتهي ما نقله القاضي عن المازري .


هذا ما يراه علماء الحديث وشراح البخاري ومسلم في هذا الأمر وكل التبرير منصب على أنه أمر صدر من العباس دون علي (ع) ، لأنه المقدار المعلوم عندهم .

   
Developed by Royal Solutions