( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 290 -

 المورد السابع
قال بعد نقل رواية لمسلم : كثيرا ما يقول الشيعة كيف يمكن أن يكون عمر خليفة للمسلمين وهو لا يعرف حكم التيمم ونحن نقول هذا علي بن أبي طالب لا يعرف حكم المذي .


نقول : هذا الأمر الذي جعله من المآخذ على الإمام علي (ع) هو في غاية الغرابة فهل يستوي من يجهل حكم شرعي - على مبناهم بصحة هذا الخبر لأنه في صحيح مسلم - في عصر رسول الله (ص) فيسأل عنه النبي (ص) إما مباشرة أو بواسطة

مع وجود العذر ، مع من يجهل حكم شرعي بأهمية التيمم وسعة الابتلاء به وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان على نزول حكمه وتبليغه إلى الناس ؟! بل حكمه بيّن في القرآن الكريم و يفترض أن خليفة المسلمين على إطلاع بآياته وأحكامه ؟!

وقد روي أنه (ع) كان يحتاط في ذلك بحيث سبب الأذى والمشقة لنفسه (ع) وفي ذلك يقول ابن حجر في ( فتح الباري ) : " ووقع في رواية لأبي داود والنسائي وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي قال : كنت رجلا مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري فقال النبي (ص) : لا تفعل " (1) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج1 ص380

 

 

- ص 291 -

ويقول : " … وفيه استعمال الأدب من ترك المواجهة بما يستحى منه عرفا ، وحسن المعاشرة مع الأصهار وترك ذكر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها " (1) .


فابن حجر يرى تصرف علي (ع) من حسن الأدب وتوقير الرسول (ص) ، فانظر إلى الرؤية السليمة إلى النص وقارنها بالكلمات التي يشم منها رائحة النصب .


وأما عن موقف عمر المختلف تماما ، فيذكر ابن حجر في ( فتح الباري ) رواية البخاري : " عن شقيق بن سلمة قال : كنت عند عبد الله - عني ابن مسعود - وأبي موسى فقال له أبو موسى أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع

؟ فقال عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء . فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي (ص) : " كان يكفيك " ، قال : ألم تر عمر لم يقنع بذلك ؟ فقال أبو موسى : فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما يقول

، فقال : إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم ، فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا ؟ قال : نعم .
ثم قال ابن حجر : " وفيه جواز التيمم للجنب بخلاف ما نقل عن عمر وابن مسعود " (2) .


إذا لعمر رأي في مقابل الحكم الشرعي الذي بلغه رسول الله (ص) للناس ، والذي ذكره القرآن في آية التيمم ، فهل يشبه حال من جهل الحكم ومنعه الحياء لمكان ابنة رسول الله (ص) من السؤال عنه - لو أردنا التنزل وقبول الخبر - وشق على نفسه باحتياطات ثقيلة كالاغتسال في الشتاء ، فهل حاله حال من نزلت آية التيمم في زمن

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج1 ص381

(2) نفس المصدر السابق - ج1 ص455

 

- ص 292 -

الرسالة النبوية ثم بعد عقد من الزمان يسأله رجل كما يروي مسلم في صحيحه كتاب الحيض باب التيمم فيقول : إني أجنبت فلم أجد ماء فقال : لا تصل (1) .


لا أعرف كيف نفسر فتوى خليفة المسلمين بترك الصلاة عند عدم وجود الماء مع وجود آية التيمم الصريحة في القرآن ؟

 فعلي (ع) حينما جهل الحكم كان فردا في الأمة ولم يرد نص في المورد الذي سأل عنه ، بينما عمر حينما قال هذا الرأي كان خليفة المسلمين ، وأفتي بخلاف حكم نزل فيه نص قرآني واضح ، هذا ما يؤاخذ عليه عمر .

 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج1 ص280

   
Developed by Royal Solutions