( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 295 -

 المورد الثاني
نقل عن ( البحار ) قول علي (ع) : غدا علينا رسول الله ونحن في لفاعنا فقال السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا ثم قال : السلام عليكم فسكتنا " .
قال الكاتب : فكيف لا يرد السلام على رسول الله (ص) مرتين ؟
 


نقول : الحديث نقله المجلسي عن ( علل الشرائع ) للصدوق (1) وفي رواته : أبي الورد بن تمامة ، والحريري وهو سفيان ، وأحمد بن الحسن القطان ، والحسن بن علي بن الحسين السكري ، والحكم بن أسلم كلهم مجهولون لم نعثر لهم على ترجمة .

فأي قيمة لحديث هذا سنده ، نعم بقية الرواية وهو تعليم النبي (ص) التسبيح للزهراء وعلي (ع) عوضا عن طلب الخادم متواتر عند الفريقين في روايات متعددة .


كما أن تتمة الرواية فيها ما يشعر بأن عدم رد السلام على النبي (ص) مرتين كان بسبب اعتبارهم السلام من خلف الباب نوع استئذان ، وعدم الإجابة يعبر عن عدم وجود إذن بالدخول : " فسكتنا واستحيينا لمكاننا ثم قال السلام عليكم فسكتنا ، فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف وقد كان يفعل ذلك يسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف فقلت : وعليك السلام يا رسول الله ادخل … "


فقوله " وقد كان يفعل ذلك يسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف " مشعر بأن عادة القوم كانت كذلك ، فالسلام من وراء الباب لم يكن إلا للاستئذان في الدخول .


ويدل عليه ما رواه النسائي في السنن الكبرى عن علي (ع) : " كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كل سحر فأقول السلام عليك يا نبي الله فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) علل الشرائع - ج2 ص65

(2) السنن الكبرى للنسائي - ج5 ص141 (8503)

 

- ص 296 -

قال محقق الكتاب : إسناده ثقات غير عبد الله صدوق .
وفي مصادر السنة ذكرت روايات صحيحة يمتنع فيها عمر عن رد السلام ، فقد روى مسلم في صحيحه كتاب الآداب باب الاستئذان عن أبي سعيد الخدري قال : كنا في مجلس عند أبي بن كعب فأتى أبو موسى الأشعري مغضبا حتى وقف فقال :

أنشدكم الله ! هل سمع أحد منكم رسول الله (ص) يقول " الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع " قال أبي : وما ذاك ؟ قال : استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت ، ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت فسلمت

ثلاثا ثم انصرفت ، قال : قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل فلو استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال : استأذنت كما سمعت رسول الله (ص) قال : فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا … " (1) .


وروى " جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له فقال : السلام عليكم هذا أبو موسى السلام عليكم هذا الأشعري ثم انصرف … " (2) .


قال ابن حجر قد ذكر في فتح الباري عند شرحه لما رواه البخاري : عن أبي سعيد قال كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت … : "

وفي الحديث أيضا أن لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن لا يأذن سواء سلم مرة أو مرتين أم ثلاثا إذا كان في شغل له ديني أو دنيوي يتعذر بترك الأذن معه للمستأذن … " (3) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج3 ص1694 ح34
(2) نفس المصدر السابق - ح37

(3) فتح الباري - ج11 ص31

 

- ص 297 -

وروى الترمذي عن أبي سعيد قال : استأذن أبو موسى على عمر فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ قال عمر واحدة ثم سكت ساعة ثم قال : السلام عليكم أأدخل ؟ قال عمر ثنتان ثم سكت ساعة فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فقال عمر : ثلاث ثم رجع … " ، وروى مثله مسلم في صحيحه (1) .


وقال أبو بكر بن العربي في ( عارضة الأحوزي ) عند شرحه للحديث السابق الوارد في باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة : " قول عمر واحدة ثنتان ثلاثا يعددها ، دليل على أنه يجوز للرجل السامع للاستئذان أن لا يرد ولا يأذن إذا كان ذلك لغرض صحيـح ومقصـود بيّن " (2) .


ألا تعجب أيها القارئ فابن العربي يستنبط من فعل عمر عدم الوجوب إذا كان بقصد الاستئذان ، وأما هذا الجاهل فيرى فعل علي (ع) خطأ ولا يمكن استنباط حكم من أفعاله .


وروى أبو داود في سننه كتاب الأدب باب كم مرة يسلم الرجل عن قيس بن سعد قال : زارنا رسول الله (ص) في منزلنا فقال : " السلام عليكم ورحمة الله " فرد سعد ردا خفيا ، قال قيس : فقلت : ألا تأذن لرسول الله (ص) فقال : ذره يكثر علينا من

السلام فقال رسول الله (ص) : " السلام عليكم ورحمة الله " ، فرد سعد ردا خفيا ثم قال رسول الله (ص) : " السلام عليكم ورحمة الله " ، ثم رجع رسول الله (ص) واتبعه سعد فقال : يا رسول إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام ... " (3) ،


وفي آخر الرواية لم يرد أي ردع من رسول الله (ص) بل أنه قال في

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج3 ص1695
(2) عارضة الأحوزي - ج5 ص119

(3) سنن أبي داود - ج4 ص515

 

- ص 298 -

آخر الرواية : " اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة " ، أليس كل ذلك دليل على أن السلام إذا كان بقصد الاستئذان لا يجب رده وهل الرد اخفاتا يعد ردا في الفقه ؟

   
Developed by Royal Solutions