( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 301 -

 المورد السادس
قال بعد أن ذكر رواية في ( بحار الأنوار ) عن رد الشمس لعلي (ع) : " كيف يؤخر صلاة العصر حتى تغيب الشـمس ؟ " .

 

- ص 302 -

نقول : حادثة رد الشمس لعلي (ع) صحيحة وردت في مصادر السنة وصححها بعض من علمائهم .


قال ابن حجر في ( فتح الباري ) :
" وقع في ( الأوسط ) للطبراني من حديث جابر أن النبي أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار " وإسناده حسن ، ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا (ص)  فلم تحبس الشمس إلا ليوشع ، وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا (ص) ،


وروى الطحاوي والطبراني في ( الكبير ) والحاكم والبيهقي في ( الدلائل ) عن أسماء بنت عميس أنه (ص)  دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر ، فردت الشمس حتى صلى علي ثم غربت وهذا أبلغ في المعجزة ، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه والله أعلم " (1) .


وقال ابن حجر الهيثمي في كتابه ( الصواعق المحرقة ) عند ذكر فضائل علي (ع) : " ومن كراماته الباهرة أن الشمس ردت عليه لما كان رأس النبي (ص)  في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر فما سري عنه (ص)  إلا وقد غربت

الشمس فقال النبي (ص)  : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك ، فاردد عليه الشمس فطلعت بعد ما غربت ، وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في ( الشفاء ) وحسنه شيخ الإسلام ابو زرعة وتبعه غيره ، وردوا على جمع قالوا : أنه

موضوع وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردها في محل المنع ، بل نقول كما أن ردها خصوصية ، كذلك إدراك العصر الآن أداء خصوصية وكرامة علي " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج6 ص222
(2) الصواعق المحرقة - ص197

 

 

- ص 303 -

وقال السيوطي في كتابه ( اللآلئ المصنوعة ) حينما يتعرض لسند رواية رد الشمس لعلي (ع) : " قلت : فضيل الذي أعلى به الطريق الأول ثقة صدوق احتج به مسلم في صحيحه و أخرج له الأربعة وعبد الرحمن بن شريك وإن وهاه أبو حاتم فقد وثقه غيره وروى عنه البخاري في الأدب … ثم الحديث صرح جماعة من الأئمة والحفاظ بأنه صحيح قال القاضي عياض في ( الشفاء ) : أخرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي (ص)  كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فذكر هذا الحديث .


قال الطحاوي : وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات وحكى الطحاوي أن احمد بن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة ، انتهى ما في ( الشفاء ) " (1) .


ثم قال السيوطي :
" ومما يشهد بصحة ذلك قول الإمام الشافعي ( رض ) وغيره ما أوتي نبي معجزة إلا أوتي نبينا نظيرها أو أبلغ منها وقد صح أن الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبارين فلا بد أن يكون لنبينا (ص)  نظير ذلك فكانت هذه القصة نظير تلك والله أعلم " (2) .


هذا وقد ثبت في مصادر الشيعة رد الشمس لعلي (ع) مرة أخرى بعد وفاة الرسول الله سنذكرها عند إيراد كلام الشيخ المفيد في ( الإرشاد ) .


وأما الرواية التي نقلها الكاتب من ( البحار ) (3) فضعيفة السند وليس الحديث فيها عن المرتين اللتين ذكرهما الشيخ المفيد في الإرشاد ، والرواية التي نقلت في

 

* هامش *

 

 

(1) اللآلئ المصنوعة - ج1 ص308
(2) نفس المصدر السابق - ج1 ص312

(3) بحار الأنوار - ج41 ص166

 

- ص 304 -

طريقها كل من : القطان شيخ الصدوق مجهول ، وهو من العامة غالبا ، وعبد الرحمن بن محمد الحسني مجهول .
وفرات بن إبراهيم صاحب التفسير قال عنه محقق التفسير : " صفحات التاريخ لم تنقل إلينا من حياته شيئا ولم تفرد له الكتب

الرجالية التي بأيدينا له ترجمة لا بقليل ولا كثير ولم تذكره حتى في خلال التراجم " (1) ، وقال المحقق التستري في
( قاموس الرجال ) : " أقول وقد طبع تفسيره في هذه الأعصار إلا أن الغريب عدم ذكر الكشي والشيخ في الرجال والفهرست والنجاشي له أصلا " (2) .


والفزاري هو جعفر بن محمد بن مالك البزار الفزاري تعارض فيه الجرح والتعديل .
وابن سعيد الهاشمي في السند الثاني هو شيخ الصدوق الحسن بن محمد بن سعيد الهشمي مجهول .


وأما مسألة تأخير صلاة العصر حتى تغيب الشمس فقد وردت في الروايات التي صححها علماء السنة ولم يشكل الغالب منهم هذا الإشكال عدا ابن تيمية وأما ابن كثير في تاريخه حينما يشير إلى رواية شاذة في أن علي شغلته قسمة الغنائم عن صلاة العصر يقول : " فإن كان هذا ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك ويكون أقطع في الحجة " (3) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) تفسير فرات ابن ابراهيم - ص10
(2) قاموس الرجال - ج8 ص376

(3) البداية والنهاية - ج6 ص90

 

- ص 305 -

فمثل ابن كثير يعتبر أن فعل علي (ع) وحده حجة وهذا دأب كل من يحسن الأدب أمام أمثال الإمام علي (ع) .
فعلى قول رسول الله (ص)  : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس ، فهذا إقرار لعلي (ع) على فعله


ولكن مع ذلك كله فالرواية الأسلم من مصادر الشيعة أن علي (ع) صلى من جلوس إيماءا وردت الشمس لكي يصلي صلاة تامة من الركوع والسجود ، فقد نقل الشيخ المفيد في الإرشاد : " ومما أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ما استفاضت به الأخبار ورواه علماء السيرة والآثار ونظمت فيه الشعراء الأشعار : رجوع الشمس له (ع) مرتين : في حياة النبي (ص)  مرة وبعد وفاته مرة أخرى .


وكان من حديث رجوعها عليه في المرة الأولى ما روته أسماء بنت عميس وأم سلمة زوج النبي (ص)  وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة : أن النبي (ص)  كان ذات يوم في منزله وعلي (ع) بين يديه إذ جاءه

جبريل (ع) يناجيه عن الله سبحانه فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين (ع) فلم يرفع رأسه عنه حتى غابت الشمس فاضطر أمير المؤمنين (ع) لذلك أن يصلي صلاة العصر جالسا يومئ بركوعه وسجوده إيماءا فلما أفاق من غشيته قال لأمير

المؤمنين (ع) : أفاتتك صلاة العصر ؟ قال له : لم أستطع أن أصليها قائما لمكانك يا رسول الله والحال التي كنت عليها في استماع الوحي فقال له : ادع الله حتى يرد عليك الشمس لتصليها قائما في وقتها كما فاتتك فإن الله تعالى يجيبك لطاعتك الله ورسوله فسأل أمير المؤمنين (ع) الله في رد الشمس فردت … " (1) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الإرشاد - ج1 ص345

 

 

- ص 306 -

ثم ذكر المرة الثانية قائلاً
" وكان رجوعها بعد النبي (ص)  أنه لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم فصلى (ع) بنفسه في طائفة معه العصر ، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفاتت الصلاة كثيرا منهم وفات الجمهور فضل الاجتماع معه ، فتكلموا في ذلك فلما سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه لتجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها فأجابه الله في ردها عليه " (1) .


وكذلك نقل العلامة المجلسي في (البحار ) قول الشيح الصدوق تعليقا على رواية ظاهرها أنه لم يصل : " ولعله صلى إيماء قبل ذلك أيضا " (2) .

 

 

* هامش *

 

 

(1) الإرشاد - ج1 ص346
(2) بحار الأنوار - ج41 ص167

 

   
Developed by Royal Solutions