( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 313 -

  ثم ذكر موارد أخرى اعتبرها مؤاخذات على الإمام من دون تفصيل ودون أن يذكر مصادرها ، وقال بعدها : ومع ذلك كله لا تجد سنيا واحدا يطعن في علي ، أما النواصب والخوارج فليسوا من أهل السنة ولا وجود للنواصب الآن فيما أعلم .


نقول : لا ندري أي شيء ترك للنواصب ، إن لم يكن ما فعله ينطلق من بغض مكنون في نفسه لأمير المؤمنين علي (ع) ، فقد ذكر أولا سلسلة من المؤاخذات المزعومة على الإمام (ع) في كتب أهل السنة ، ثم ذكر مثلها من كتب الشيعة دون أن يدرس

سندا أو يحقق متنا وفق المدارك المعتمدة والأصول الحديثية والرجالية في تصحيح الأحاديث عند علماء الشيعة بل اكتفى بكونها موجودة في كتب الشيعة ، ولكن حينما يذكر شيء من ذلك في حق عمر أو عثمان يسرع لتضعيف السند والبحث عن الأعذار .


وما دام يؤمن بأن عليا (ع) من الصحابة فليقرأ معنا هذه الأقوال لعلماء يعتقد بهم ويرى أقوالهم حجة :
قال أحمد بن حنبل : " إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام " (2) .


وروى الخطيب البغدادي في ( الكفاية ) عن أبي زرعة الرازي قال : " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله (ص) فاعلم أنه زنديـق " (3) ، ألم يكن ما سبق انتقاص من صحابي ، أم هو حرام على الشيعة حلال لكم .
 

 

* هامش *

 

 

(1) تهذيب التهذيب - ج2 ص156
(2) البداية والنهاية - ج8 ص148

(3) الكفاية - ص67

 

- ص 314 -

وقال الإمام أبو نعيم : " فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله (ص) وزللهم ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلا مفتون القلب في دينه " (1) .


ثم لنتأمل كيف تغير وجه النبي (ص) حينما نال بعض الناس من علي (ع) لشيء رأوه منه ،

فقد روى ابن حبان في ( صحيحه ) (2)
والحاكم في ( المستدرك ) (3)
وصححه على شرط مسلم ، وأقره الذهبي كما قال الألباني وأقرهم على الصحة (4)،
وأبو يعلى في ( المسند ) (5)
وعلق المحقق حسين أسد بقوله : رجاله رجال الصحيح ، والترمذي في ( السنن ) (6)
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان ، والنسائي في الخصائص (7) ،
وأحمد في ( المسند ) (8) ،

ونص الحديث كما عن أحمد في ( فضائل الصحابة ) : " عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله (ص) سرية وأمر عليهم علي ابن أبي طالب (رض) فأحدث شيئا في سفره فتعاهد ، قال عفان : فتعاقد أربعة من أصحاب محمد (ص) أن يذكروا أمره

لرسول الله (ص) ، قال عمران : وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله (ص) فسلمنا عليه ، قال : فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال : يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه ، ثم قام الثاني فقال : يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا ،

فأعرض عنه ، ثم قام الثالث فقال : يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه ، ثم قام الرابع فقال : يا رسول الله إن عليا فعل كذا وكذا ، قال : فأقبل رسول الله (ص) على الرابع وقد تغير وجهه ، فقال : دعوا عليا دعوا عليا إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الإمامة لأبي نعيم - ص344
(2) صحيح ابن حبان - ج6 ص269
(3) المستدرك على الصحيحين - ج3 ص110
(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة - ج5 ص261

(5) مسند أبو يعلي - ج1 ص293
(6) سنن الترمذي - ج5 ص632
(7) السنن الكبرى - ج5 ص132
(8) مسند أحمد - ج33 ص154

 

- ص 315 -

علق عليه محقق الكتاب بقوله : إسناده حسن (1) .


ولنتأمل كيف يطلق رسول الله (ص) القول بأن عليا مع الحق فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد عن أبي سعيد يعني الخدري قال : كنا عند بيت النبي (ص) في نفر من المهاجرين والأنصار فقال : " ألا أخبركم بخياركم قالوا بلى قال الموفون الطيبون

إن الله يحب الخفي التقي ، قال : ومر علي بن أبي طالب فقال : " الحق مع ذا ، الحق مع ذا " قال الهيثمي : " رواه أبو يعلى ورجاله ثقات " (2) .


ثم قوله (ص) كما رواه أحمد في ( فضائل الصحابة ) عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : " أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله لهو أخيشن في ذات الله وفي سبيل الله " ، قال المحقق في الحاشية : إسناده صحيح (3) .


وقوله (ص) لعمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية كما روى ذلك الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) حينما شكى عليا : " يا عمرو والله لقد آذيتني ، قلت : أعوذ بالله من أذاك يا رسول الله قال : بلى من آذى عليا فقد آذاني " ، قال الهيثمي : رواه احمد والطبراني والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات (4) .


لذا فمن الغريب والعجيب أن يتجرأ جاهل ليضع نفسه موقف الناقد لأفعال الإمام علي (ع) ، ولكنه على دين بني أمية الذين آذوا الله ورسوله (ص) بإيذاء علي (ع) .


فقد روى الحاكم في ( المستدرك ) عن ابن أبي مليكة قال : جاء رجل من أهل الشام فسب عليا عند ابن عباس ، فحصبه ابن عباس فقال : يا عدو الله آذيت رسول الله (ص)

 

* هامش *

 

 

(1) فضائل الصحابة - ج2 ص749 (1035)
(2) مجمع الزوائد - ج7 ص234

(3) فضائل الصحابة - ج2 ص845
(4) مجمع الزوائد - ج9 ص129

 

- ص 316 -

" إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا " لو كان رسول الله (ص) حيا لآذيته " (1) ، والذي يشعر بأموية الكاتب ترديده لمقولة معاوية مبررا حربه لعلي (ع) من أنه لم يقتص من قتلة عثمان الأمر الذي سنتطرق له في النقطة التالية .


ومن انتقاداته الجريئة على الإمام علي (ع) قوله : أن الإمام علي (ع) لم يقتل قتلة عثمان .

نقول : إن المقولة السابقة هي أهم ادعاءات معاوية وأتباعه من القاسطين ، وهو شعارهم الذي كانوا يرفعونه في وجه الإمام (ع) ، وفي هذا الصدد يتعجب المرء كيف يمكن أن يكون الإنسان أعمى بحيث لا يكتفي في تصحيح موقف علي بما ورد في صحيح البخاري من قول رسول الله (ص): " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار " (2) ،


وما رواه مسلم في باب ذكر الخوارج من كتاب الزكاة من قول رسول الله (ص) : " تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين ، يقتلها أولى الطائفتين بالحق " (3) ، ألا يشمل ذلك في أنها على حق في عدم الانشغال بالاقتصاص من قتلة عثمان .


قال ابن حجر في ( فتح الباري ) : " حديث مسلم ومن وجه آخر عن أبي سعيد " تمرق مارقة عند الفرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق " أخرجه هكذا مختصرا على وجهين ، وفي هذا وفي قوله (ص) " تقتل عمار الفئة الباغية " دلالة

 

* هامش *

 

 

(1) المستدرك على الصحيحين - ج3 ص121
(2) صحيح البخاري - ج4 ص25

(3) صحيح مسلم - ج2 ص745

 

- ص 317 -

 واضحة على أن عليا ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم " (1) .


ألم يكن تأويلهم الخاطئ هو رؤيتهم بأن لهم الحق في المطالبة بقتلة عثمان ويقول ابن حجر في ( الفتح ) حينما يذكر ما قاله الرافعي في ( شرح الوجيز ) : " بأن الخوارج هم فرقة من المبتدعة خرجوا على علي حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان

ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله ومواطأته إياهم " يقول مصححا كلامه : " وليس الوصف الأول في كلامه وصف الخوارج المبتدعة وإنما هو وصف النواصب أتباع معاوية بصفين " (2) .


وننقل لك أيضا رأي أحد المتعصبين من علماء السنة ، يقول أبو بكر بن العربي في كتابه ( العواصم من القواصم ) : " قاصمة ، ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام وهؤلاء يدعون إلى

التمكين من قتلة عثمان ويقولون : لا نبايع من يأوي القتلة … عاصمة ، أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعا ، أما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطـعا ، وأما الصـواب فيه فمع علـي … " (3) .


ونقول : فلا نعرف من أين استقى هذا آراؤه إلا أن يكون من الخوارج أو النواصب ، ونقول له ولمن هو على شاكلته : لو تركتم الإنكباب على الآراء الأموية لابن تيمية وأقواله لما وقعتم في مثل هذه الجناية على علـي (ع) .

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج6 ص619
(2) نفس المصدر السابق - ج13 ص537

(3) العواصم من القواصم - ص162

 

- ص 318 -

وهنا نعرض رأي ابن كثير - وهو أيضا أموي المشرب - في توضيح موقف علي (ع) وتصحيحه وفق ما ذكره في تاريخه ( البداية والنهاية ) : " ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ( رض ) وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان ، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا " (1) .


ثم حينما ينقل محادثة القعقاع بن عمرو رسول الإمام علي (ع) للزبير وطلحة وعائشة : " فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين فقال : أي أماه ! ما أقدمك هذا البلد ؟ فقالت : أي بني ! الإصلاح بين الناس … ، ثم قال لطلحة والزبير :

فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح ؟ وعلى أي شيء يكون ؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن ولئن انكرناه لا نصطلحن ، قالا : قتلة عثمان ، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن ، فقال القعقاع : قتلتما قتلته من أهل البصرة ، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى

الاستقامة منكم اليوم ، قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم … ، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون ، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منها " (2) .


وهنا يعلق ابن كثير : " يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها ، وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله ، فعلي أعذر في تركه الآن

 

* هامش *

 

 

(1) البداية والنهاية - ج7 ص255
(2) نفس المصدر السابق - ص265

 

 

- ص 319 -

 قتل قتلة عثمان ، وإنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة " (1) .


ومن عجيب ما عدد على الإمام علي (ع) أنه لم يحلق رأسه في الحديبية ولم ينحر .

نقول : لا يوجد في كتب التاريخ بأجمعها ما يستطيع أن يستدل به على مدعاه بصورة صريحة ، نعم الظاهر أنه اعتمد على الجملة المعروفة التي يذكرها أرباب الحديث والسير حين قال رسول الله (ص) لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " ،

وقول الراوي : فوالله لم يقم منهم أحد " ، وهل تلزمنا بما في كتبكم ، ولو صحت العبارة فإنما هي وصف لحال جموع الناس ولا تشمل من نزل فيه قوله تعالى " وأنفسنا وأنفسكم " ومن قال فيه (ص) : " علي مني وأنا منه " مرارا وفي مناسبات عدة

 ، فعلي (ع) كان ساعده الأيمن الذي كتب به معاهدة الصلح مع المشركين ، ولن تتخلف يمين رسول الله (ص) عن متابعة أمره يوما .


بل قد ذكرنا سابقا في محله رواية الترمذي في كتاب المناقب يصف بها رسول الله (ص) الإمام علي (ع) في نفس يوم الحديبية وقبل عقد الصلح مع سهيل بن عمرو ، قال علي (ع) : " لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن

عمرو وأناس من رؤساء المشركين ، فقالوا : يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين ، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا ، قال : فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم ، فقال النبي (ص) : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف

 

* هامش *

 

 

(1) البداية والنهاية - ج7 ص265

 

 

- ص 320 -

على الدين قد امتحن الله قلبه على الإيمان ، قالوا : من هو يا رسول الله ، فقال له أبو بكر : من هو يا رسول الله ، وقال عمر : من هو يا رسول الله ، قال : هو خاصف النعل وكان أعطى عليا نعله يخصفها … " .
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب (1) .


فإذا وصف النبي (ص) إرسال علي (ع) إلى المشركين بأنه بعث من الله تعالى ، ثم اتبعه بوصف " امتحن الله قلبه على الإيمان " فلا يتخيل عاقل أنه يتخلف عن رسول الله (ص) أو يعصيه ، ولا يدخل عليا (ع) في ذلك العموم إلا أعمى القلب عن أدوار علي (ع) ومواقفه الواضحة في الاستجابة للرسول (ص) وعدم التخلف عنه قيد أنملة .



ومن عجيب ما تفوه به أيضا قوله أن الإمام علي عليه السلام أخطأ حينما صلى التراويح عشرين ركعة .

نقول : إن كان الكلام على مبنى السنة فهم يفتون بأن عدد التراويح عشرين ركعة ، قال الجزيري في ( الفقه على المذاهب الأربعة ) : " ويتبين أيضا أن عددها - التراويح - ليس مقصورا على الثمان ركعات التي صلاها بهم بدليل أنهم كانوا يكملونها في بيوتهم ، وقد بين فعل عمر ( رض ) أن عددها عشرون حيث أنه جمع الناس أخيرا على هذا العدد في المسجد " (2) .


بل روى البيهقي في سننه الكبرى خبرا عن رسول الله (ص) عن ابن عباس قال : " كان النبي (ص) يصلي في شهر رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة ووتر " (3) .

 

* هامش *

 

 

(1) سنن الترمذي - ج5 ص634
(2) الفقه على المذاهب الأربعة - ج1 ص325

(3) السنن الكبرى للبيهقي - ج2 ص698 (496)

 

- ص 321 -

ولكن الصحيح أنه أمر حدد من قبل عمر ، فقد روى البيهقي في ( السنن الكبرى ) عن السائب بن يزيد قال : " كانوا يقرأون على عهد عمر بن الخطاب ( رض ) في شهر رمضان بعشرين ركعة قال : وكانوا يقرأون بالمئتين ، وكانوا يتوكأون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ( رض ) من شدة القيام " (1) .


وقد قال الشيرازي في ( المهذب في الفقه الشافعي ) : " ومن السنن الراتبة قيام رمضان وهو عشرون ركعة بعشر تسليمات " ، وقال النووي في شرحه : " أما حكم المسألة فصلاة التروايح سنة بإجماع العلماء ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات " (2) .


وقال ابن قدامة المقدسي في ( الكافي ) وهو في فقه الإمام أحمد : " وقام النبي (ص) بأصحابه ثلاث ليال ثم تركها خشية أن تفرض فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى خرج عمر ( رض ) عليهم وهم أوزاع يصلون فجمعهم على أبي بن كعب ، قال السائب بن يزيد : لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ، فالسنة أن يصلي بهم عشرين ركعة في الجماعة لذلك " (3) .


وأما روي من أن عليا صلى التروايح عشرين ركعة فقد ذكره البيهقي في ( السنن الكبرى ) : " وروينا عن شتير بن شكل وكان من أصحاب علي (رض) أنه كان يؤمهم في شهر رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث " (4) ، فالخبر غير مسند كما

 

* هامش *

 

 

(1) السنن الكبرى للبيهقي - ج2 ص698
(2) المهذب في الفقه الشافعي - ج4 - ص37

(3) الكافي لابن قدامة - ج1 ص180
(4) السنن الكبرى للبيهقي - ج2 699 (469)

 

- ص 322 -

ترى ، وذكر المتقي الهندي في ( كنز العمال ) عن ابن السائب أن عليا قام بهم في شهر رمضان ونسبه لابن شاهين (1) .


نعم روى البيهقي في نفس المصدر السابق أن عليا أمر رجلا أن يصلي بالناس ، قال : " وأما التروايح ففيما أنبأنا أبو عبد الله … عن أبي الحسناء أن علي بن أبي طالب أمر رجلا أن يصلي بالناس خمس ترويحات عشرين ركعة ، قال البيهقي : وفي هذا الإسناد ضعف والله أعلم " (2) ، وقال ابن حجر في ( التقريب ) : أبو الحسناء مجهول ، وروايته عن علي (ع) مرسلة (3) .


نعم ذكر البيهقي نحوه في الخبر السابق على الخبر المذكور لكن في سنده حماد بن شعيب ، ذكره الذهبي في الميزان وقال : " ضعفه ابن معين وغيره وقال يحيى مرة : لا يكتب حديثه ، وقال البخاري : فيه نظر ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن عدي : أكثر حديثه مما لا يتابع عليه " (4) .


ومن الواضح أن مثل هذه الصلاة لم تكن على عهد رسول الله (ص) بل نهى عنها كما ذكر البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب ما يجوز من الغضب عن زيد بن ثابت ( رض ) قال : " أحتجر رسول الله (ص) حجيرة مخصفة أو حصيرا فخرج

رسول الله (ص) يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته - وظاهره المتابعة لا الجماعة - ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله (ص) عنهم فلم يخرج إليهم ، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم مغضبا فقال لهم رسول الله (ص)

 

* هامش *

 

 

(1) كنز العمال - ج8 ص410 رقم23476
(2) السنن الكبرى للبيهقي - ج2 ص699

(3) تقريب التهذيب - ج2 ص384
(4) ميزان الاعتدال - ج1 ص596

 

- ص 323 -

ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة " (1) .


وقد روى البخاري في كتاب الصوم باب فضل من قام رمضان قصة استحداث هذه الصلاة في زمن عمر وتسمية عمر لها بالبدعة عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال : " خرجت مع عمر بن الخطاب (رض) ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا

الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوله " (2) .


وقد نقل البخاري قبلها قول ابن شهاب : " فتوفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر " (3) .


وأما إن كان النظر إلى رأي الشيعة فهم يتفقون مع الرواية التي تصرح بأن التروايح بدعة أحدثها عمر إذ لا يجوز أن تصلى النوافل جماعة .


فقد روى الكليني في ( روضة الكافي ) خطبة لأمير المؤمنين يذكر فيها البدع التي حدثت إلى أن يقول (ع) : " والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري - ج8 ص34
(2) المصدر السابق - ج3 ص58
(3) المصدر السابق

 

 

- ص 324 -

ممن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري… " (1) .


وقال السيد المرتضى كما عن ( تلخيص الشافي ) : " وقد روي أن أمير المؤمنين (ع) لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلي بهم نافلة شهر رمضان زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم ، فبعث إليهم الحسن (ع) فدخل عليهم المسجد- ومعه الدرة - فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا ( واعمراه ) " (2) .


فوالله لم أستطع أن أعرف بأي منطق يتحدث حينما يقول إن من المؤاخذات على علي صلاته التروايح عشرين ركعة ؟!



ومن عجيب ما تفوه به إن من أخطاء الإمام علي (ع) أنه كان يلوذ برسول الله (ص) في بدر .

نقول : إنما قال علي (ع) ذلك كما في مسند أحمد (3) لبيان أشجعية رسول الله (ص) في المعركة ، وإلا فإن كتب التاريخ حافلة بما قام به علي (ع) في بدر وغيرها من معارك الإسلام الخالدة … وقد مر ذكر ذلك عند الحديث عن شجاعته .


وإلى ذلك أشار ابن الأثير في تاريخه في بيان شجاعة رسول الله (ص) : " وقال علي بن أبي طالب : كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله (ص) فكان أقربنا إلى العدو " ، ثم يعلق ابن الأثير : " وكفى بهذا شجاعة أن مثل علي الذي هو هو في شجاعته

 

* هامش *

 

 

(1) روضة الكافي - ص52
(2) تلخيص الشافي - ج4 ص52

(3) مسند أحمد - ج2 ص81 ح654

 

- ص 325 -

 يقول هذا ، وقد تقدم في غزواته ما يستدل به على تمكنه من الشجاعة وأنه ما يقاربه فيها أحد " (1) .
فالكلام قد وضع موضع المثل لبيان شجاعة النبي الأكرم (ص) ، فهل فاته فهم ذلك الأمر الواضح ، أم كان البحث عما ينقص من قدر الإمام (ع) هو همه الشاغل ؟



ذكر أن الإمام علي (ع) جلس بين رسول الله وعائشة حتى قالت عائشة : ما وجدت إلا فخذي .

لم أعرف كيف يعد هذا من المؤاخذات على الإمام علي (ع) فالمتحدث إن كان يتحدث على مبنى السنة فالرواية مكذوبة في نظرهم .


قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ليلى الغفارية قالت : " كنت أغزو مع النبي (ص) فأداوي الجرحى وأقوم على المرضى ، فلما خرج علي إلى البصرة خرجت معه ، فلما رأيت عائشة أتيتها ، فقلت : هل سمعت من رسول الله (ص) فضيلة في علي

(ع) ، قالت : نعم دخل على رسول الله وهو معي وعليه جرد قطيفة فجلس بيننا ، فقلت : أما وجدت مكانا هو أوسع لك من هذا ، فقال النبي (ص) : يا عائشة دعي لي أخي فأنه أول الناس إسلاما … ، قال العقيلي : لا يعرف إلا لموسى بن القاسم قال البخاري : لا يتابع " (2) والحصيلة إن الرواية ضعيفة عندهم .

 
وإن كان يتحدث على مبنى الشيعة واعتبرنا أن الرواية صحيحة - كما هو المحتمل قويا لتعدد طرقها - فالخطأ خطأ عائشة في تفوهها بتلك الكلمات التي تعبر عن بغضها لعلي (ع) .

 

* هامش *

 

 

(1) الكامل في التاريخ - ج2 ص170

(2) الإصابة في تمييز الصحابة - ج8 ص183

 

- ص 326 -

فليس هناك خطأ في جلوس علي كما هو صريح الروايات التي أوردت الحادثة فقد نقلها ( البحار ) في عدة مواضع ، منها عن كتاب ( اليقين في إمرة أمير المؤمنين ) عن جابر الجعفي قال : أخبرني وصي الأوصياء قال : " دخل علي (ع) على النبي

(ص) وعنده عائشة ، فجلس قريبا منها ، فقالت : ما وجدت يا ابن أبي طالب مقعدا إلا فخذي ، فضرب رسول الله (ص) على ظهرها ، فقال : يا عائشة لا تؤذيني في أمير المؤمنين وسيد المسلمين وأمير الغر المحجلين يقعده الله غدا يوم القيامة على الصراط ، فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار " (1) .


فالرواية صريحة في أنه جلس قريبا منها لا ملاصقا لها وإنما هي بالغت في عبارتها فاعتبرت هذا القرب كأنه جلوس على فخذها لذا عنفها رسول الله (ص) ولم يعنف عليا (ع) لأنها هي المخطئة لا علي كما حاول أن يصور هذا الكاتب المتعامي .


ورواه العلامة المجلسي في ( البحار ) عن ( أمالي ) الطوسي عن جندب بن عبد الله البجلي عن علي بن أبي طالب (ع) قال : " دخلت على رسول الله (ص) قبل أن يضرب الحجاب ، وهو في منزل عائشة فجلست بينه وبينها ، فقالت : يا ابن أبي طالب

ما وجدت لأستك مكانا غير فخذي ! امط عني فضرب رسول الله (ص) بين كتفيها ، ثم قال لها : ويل لك ما تريدين من أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين " (2) ، وهذه الرواية صريحة في أن الواقعة كانت قبل أن يضرب الحجاب .


نعم ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي يظهر منه أن عائشة ورسول الله (ص) كانا متلاصقين ، وكأن مجيء علي (ع) وإدناء الرسول (ص) له وجلوسه بقربه أوجب ابتعادها عن رسول الله (ص) مما أغاضها فقالت ما قالت ، وهي لا تعتبر رواية

 

* هامش *

 

 

(1) بحار الأنوار - ج39 ص200
(2) نفس المصدر السابق - ج37 ص336

 

 

- ص 327 -

شيعية ، فقد صرح جل من ذكر ابن أبي الحديد بأنه معتزلي ووصفه بالتشيع لا يعني أنه لا يعتقد بالشيخين ، بل شرحه مليء بمدح الشيخين والدفاع عنهما ، وكثير من محدثي السنة وعلمائهم وصفوا بالتشيع ، ولكن هذا لم يعن أبدا تركهم للاعتقاد بتقديم

الشيخين على علي (ع) ، قال ابن أبي الحديد في شرحه : " ثم كان بينها وبين علي (ع) في حياة رسول الله (ص) أحوال وأقوال كلها تقتضي تهييج ما في النفوس نحو قولها له - وقد استدناه رسول الله فجاء حتى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان : أما وجدت مقعدا لكذا - لا تكني - إلا فخذي " (1) ،

ونكرر أن الرواية لا تدل إلا على أن رسول الله (ص) استدناه حتى أوجب ذلك ابتعاد عائشة وجلوسه (ع) مكانها فغضبت وقالت العبارة المنقولة ، لا أنهما تلامسا كما تصور الكاتب المتحامل .



ذكر أن الإمام علي عليه السلام تزوج بعد وفاة فاطمة بتسع ليال

نقول : إن زواج علي (ع) بعد الزهراء (ع) كان بوصية منها وحددت أمامة بنت أختها كزوجة له ، وقد ذكر ذلك المجلسي في ( البحار ) عن ( روضة الواعظين ) : " … ثم قالت : جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم رسول الله أوصيك أولا أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لا بد لهم من النساء " (2) ، ورواه ثانية عن كتاب سليم (3)

 

* هامش *

 

 

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد - ج9 ص194
(2) بحار الأنوار - ج43 ص192
(3) نفس المصدر السابق - ص197

 

 

- ص 328 -

ويتضح من النص الأول أن الزواج لرعاية الأولاد ولم يكن الحديث عن فرح أو بحث عن شهوة وخصوصا مع لحاظ عمر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم إذ لم يتعد أكبرهم ثمان سنين ، لذا لا يستبعد أن يكون الزواج بعد مدة قصيرة من رحيلها (ع) .

ولكن الكاتب نقل خبر زواجه بعدها بتسعة أيام من كتاب ( بحار الأنـوار ) للمجلسي ثم علق الكاتب بقوله : " هذا هو المشهور في كتب الشيعة " .


رغم أن المجلسي نقله عن ( مناقب ) ابن شهراشوب (1) وهو بدوره نقله عن كتاب ( قوت القلوب ) ، الذي عده ابن شهراشوب من كتب العامة التي نقل منها ، قال العلامة المجلسي في ( البحار ) : " قال ابن شهراشوب في ( المناقب ) :

كان جمع ذلك الكتاب بعد ما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع … فأما طرق العامة فقد صح لنا إسناد البخاري … إسناد ( قوت القلوب ) عن القطيفي عن أبيه عن أبي القاسم الحسن بن محمد عن أبي يعقوب يوسف بن منصور السياري … فأما أسانيد كتب أصحابنا فأكثرها عن الشيخ أبي جعفر الطوسي … " (2) .


فالكتاب المنقول عنه ما ذكر هو لأحد علماء أهل السنة ، ولا ينتمي للشيعة بأي صلة ، ومع ذلك يقول الكاتب بجرأة غريبة : " هذا هو المشهور في كتب الشيعة " .


والكتاب ذكره الحاجي خليفة في ( كشف الظنون ) قال : " ( قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحـيد ) في التصوف لأبي طالب بن علي بن عطية العجمي ثم المكي المتوفى سنة 386 …" (3) .

 

 

* هامش *

 

 

(1) بحار الأنوار - ج42 ص92
(2) نفس المصدر السابق - ج1 ص66

(3) كشف الظنون - ج2 ص1361

   
Developed by Royal Solutions