( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 329 -

 28 - عمر وشورى الستة

قيل عن الشورى التي عينها عمر للخلافة من بعده : " … وإذا مضى وقت ولم يتفق الستة فاقتلوهم " .
فقال : " إن القصة التي ذكرت مختلقة اختلقها كذاب … " ، ثم أورد رواية البخاري في تلك الشورى .

نقول : هذه الرواية ذكرها الطبري في تاريخه وغيره من المؤرخين ولم ترو عن طريق أبي مخنف فقط .

فقد ذكرها ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) بإسناد آخر في ترجمة عمر بن الخطاب قال : " أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي قال : أخبرنا حاتم ابن أبي صغيرة عن سماك أن عمر بن الخطاب لما حضر قال : إن أستخلف فسنة وإلا أستخلف فسنة ،

توفي رسول الله ولم يستخلف ، وتوفي أبو بكر فاستخلف ، فقال علي d : فعرفت والله أنه لن يعدل بسنة رسول الله (ص) فذاك حين جعلها عمر شورى بين عثمان ابن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن

أبي وقاص ، وقال للأنصار : أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام فإن استقاموا وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم " (1) .

فهذه الرواية تؤكد ما أراد أن ينفيه عن عمر ، أما عن سند الحديث :

 

* هامش *

 

 

(1) الطبقات الكبرى - ج2 ص290

 

 

- ص 330 -

فعبد الله بن بكر السهمي : أبو وهب البصري نزيل بغداد امتنع من القضاء ثقة حافظ (1) .
حاتم بن أبي صغيرة : أبو يونس البصري ثقة (2) .
سماك بن حرب : الذهلي البكري الكوفي ، أبو مغيرة صدوق ، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخره (3) ،
 

وذكر في تهذيب التهذيب : وقال ابن عدي : ولسماك حديث كثير مستقيم إن شاء الله ، وهو من كبار تابعي أهل الكوفة وأحاديثه حسان وهو صدوق لابأس به " (4) ، وعليه يظهر أن الرواية حسنة لا بأس بسندها .


بل رجح ابن حجر في ( فتح الباري ) صدور ذلك من عمر عند شرحه للرواية التي نقلها الكاتب قال : " ووقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق في قصة عثمان : فإن ولوك هذا الأمر فاتق الله فيه ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ، ثم قال : ادعوا لي صهيبا ، فدعي له ، فقال : صل بالناس ثلاثا وليحل هؤلاء القوم في بيت فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فاضربوا عنقه " (5) .


قال ابن حجر : " وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح قال : دخل الرهط على عمر فنظر إليهم فقال : إني قد نظرت في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا ، فإن كان فهو فيكم ، وإنما الأمر إليكم - وكان طلحة غائبا في أمواله

 - قال : فإن كان قومكم لا يؤمرون إلا لأحد الثلاثة عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي ، فمن ولي منكم فلا يحمل قرابته على رقاب الناس ، قوموا فتشاورا ،

 

* هامش *

 

 

(1) تقريب التهذيب - ج1 ص481
(2) نفس المصدر السابق - ج1 ص170
(3) نفس المصدر السابق - ج1 ص394

(4) تهذيب التهذيب - ج4 ص205
(5) فتح الباري - ج7 ص68

 

- ص 331 -

ثم قال عمر : أمهلوا فإن حدث لي حدث فليصل لكم صهيب ثلاثا ، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه " (1) .


ثم أن الرواية التي نقلها عن البخاري لا تحكي كل الواقعة ، بل هناك رواية للبخاري في كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس فيها تفصيل أكثر : " قال المسور : طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت ، فقال : أراك

نائما ، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم انطلق فادع الزبير وسعدا ، فدعوتهما له فشاورهما ، ثم دعاني فقال : ادع لي عليا ، فدعوته ، فناجاه حتى إبهار الليل ، ثم قام علي من عنده وهو على طمع ، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا ،

ثم قال : ادع لي عثمان فدعوته ، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح ، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد ، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر ،

فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال : أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا " (2) .


وليست العبارة الأخيرة من عبد الرحمن خالية من التهديد .

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج7 ص68
(2) صحيح البخاري - ج9 ص97

   
Developed by Royal Solutions