( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 349 -

 30 - حديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها "


حكم بأنه حديث ضعيف ، وقد ذكر آراء بعض العلماء ممن حكم بأنه ضعيف أو موضوع .


نقول : ذكره الحاكم في ( المستدرك ) ثم قال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأبو الصلت ثقة مأمون فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول : سمعت العباس بن حمد الدوري يقول : سألت يحيى بن معين عن أبي

الصلت الهروي ، فقال : ثقة فقلت : أليس قد حدث عن أبي معاوية عن الأعمش " أنا مدينة العلم " ، فقال : قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو ثقة مأمون سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القباني إمام عصره ببخارى يقول : سمعت صالح بن

محمد بن حبيب الحافظ يقول : وسئل عن أبي الصلت الهروي فقال : دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه فلما خرج تبعته فقلت له : ما تقول رحمك الله في أبي الصلت ، فقال : هو صدوق فقلت له : إنه يروي حديث الأعمش

عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي (ص) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأتها من بابها " ، فقال : قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت (1) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) المستدرك على الصحيحين - ج3 ص126

 

 

- ص 350 -

وفي ( اللآلئ ) ينقل عن الخطيب " قال عباس الدوري : سمعت يحيى يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح ، فقلت له : إنه حدث عن أبي بمعاوية عن الأعمش " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ، فقال : ما تريدون من هذا المسكين أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية " (1) .
 


والغريب أن الذهبي في التلخيص يقول : " العجب من الحاكم وجرأته في تصحيحه هذا وأمثاله من البواطيل " في حين أنه ضعف السندين الأول والثالث وسكت عن السند الثاني الذي يرويه الفيدي عن أبي معاوية ولم يعله بأي علة ، فالعجب منه هو

 ، والأعجب أن الحسين بن فهم الذي وثقه الحاكم عند تصحيحه للخبر والخطيب في ( تاريخ بغداد ) (2) حينما يذكره في
( سير أعلام النبلاء ) (3) يقتصر على إيراد قول الدارقطني : بأنه ليس بالقوي ، في حين أن ابن عماد الحنبلي في

( شذرات الذهب ) حينما يذكره ويذكر قول الدارقطني يقول : " قال ابن ناصر الدين : الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن
فهم بن محرز البغدادي أبو علي الحافظ الكبير كان واسع الحفظ متقنا للأخبار عالما بالرجال والنسب والأشعار ، لكنه ليس

 بالقوي في سيره عند الدارقطني وغيره ، انتهى " (4) ، فلاحظ أن الدارقطني لم يقل عنه بأنه ليس بقوي بصورة مطلقة بل في خصوص السير .



وقال الشوكاني في ( الفوائد المجموعة ) : " قيل لا يصح ولا أصل له وقد ذكر هذا الحديث ابن الجوزي في ( الموضوعات ) من طرق عدة وجزم ببطلان الكل وتابعه الذهبي وغيره ، وأجيب على ذلك : بأن محمد بن جعفر البغدادي الفيدي قد وثقه
 

 

* هامش *

 

 

(1) اللآلئ المصنوعة - ج1 ص304
(2) تاريخ بغداد - ج8 ص92

(3) سير أعلام النبلاء - ج13 ص427
(4) شذرات تاذهب - ج2 ص201

 

- ص 351 -

 يحيى بن معين ، وأن أبا الصلت الهروي قد وثقه ابن معين والحاكم ، وقد سئل يحيى عن هذا الحديث ، فقال : صحيح ، وأخرجه الترمذي عن علي (رض) مرفوعا ، وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) مرفوعا وقال : صحيح الإسناد ، قال الحافظ

ابن حجر : والصواب خلاف قولهما معا ، يعني ابن الجوزي والحاكم وأن الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب … وهذا هو الصواب لأن يحيى بن معين والحاكم قد خولفا في توثيق أبي الصلت ومن تابعه فلا يكون مع

هذا الخلاف صحيحا بل حسنا لغيره لكثرة طرقه كما بيناه وله طرق أخرى ذكرها صاحب اللآلئ وغيره " (1) ، انتهى كلام الشوكاني .


وقال السيوطي في ( اللآلئ المصنوعة ) : " قال العلائي ( الحافظ صلاح الدين العلائي ) : فقد برئ أبو الصلت عبد السلام من عهدته وأبو معاوية ثقة مأمون من كبار الشيوخ وحفاظهم المتفق عليهم وقد تفرد به عن الأعمش ، فقال - أي العلائي :

ماذا وأي استحالة في أن يقول النبي (ص) مثل هذا في حق علي (رض) ولم يأت كل من تكلم في هذا الحديث وجزم وضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين ، ومع ذلك فله شاهد رواه الترمذي في جامعه عن إسماعيل بن موسى

الفزاري عن محمد بن عمر بن الرومي عن شريك بن عبد الله بن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي عبد الله الصنابحي عن علي مرفوعا : " أنا دار الحكمة وعلي بابها " ، ورواه مسلم الكجي وغيره عن محمد بن عمر بن الرومي وهو ممن

روى عنه البخاري في غير الصحيح وقد وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود ، وقال أبو زرعة : فيه لين ، وقال الترمذي بعد إخراج الحديث : هذا حديث غريب ، وقد روى بعضهم هذا عن شريك ولم يذكر فيه الصنابحي ولا نعرف هذا عن أحد عن الثقات

 

* هامش *

 

 

(1) الفوائد المجموعة - ص349

 

 

- ص 352 -

 غير شريك النخعي القاضي برئ محمد بن الرومي من التفرد به وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي احتج به مسلم وعلق له البخاري ووثقه يحيى ابن معين وقال العجلي : ثقة حسن الحديث ، وقال عيسى بن يونس : ما رأيت أحدا قط أورع

في علمه من شريك فعلى هذا يكون تفرده حسنا فكيف إذا انضم إلى حديث أبي معاوية ، ولا يرد عليه رواية من أسقط منه الصنابحي لأن سويد بن غفلة تابعي مخضرم أدرك الخلفاء الأربعة وسمع منهم وذكر الصنابحي فيه من المزيد في متصل

الأسانيد ولم يأت أبو الفرج ولا غيره بعلة قادحة في حديث شريك سوى دعوى الوضع دفعا بالصدر انتهى كلام الحافظ علاء الدين العلائي " .


ثم يتابع السيوطي ينقل عن ابن حجر : " وسئل شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر عن هذا الحديث في فتيا فقال : هذا الحديث أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وقال : إنه صحيح ، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكره في ( الموضوعات ) وقال : إنه كذب ، والصواب خلاف قولهما معا وإن الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب وبيان ذلك يستدعي طولا ولكن هذا هو المعتمد انتهي " .


ثم تابع السيوطي ناقلا قوله في ( لسان الميزان ) : " وقال في لسان الميزان عقب إيراد الذهبي رواية جعفر بن محمد عن أبي معاوية وقوله هذا موضوع ما نصه : " وهذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل فلا ينبغي أن يطلق القول عليه بالوضع انتهى ، ثم يقول السيوطي : " وبقي للحديث طرق " (1) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) اللآلئ المصنوعة - ج1 ص305

 

 

- ص 353 -

فالخلاصة لا يقال لمثل هذا الحديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها " أنه موضوع أو لا أصل له بل هو على الأقل في درجة الحسن كما قال ابن حجر .


ولكن المتقي الهندي صاحب ( كنز العمال ) يقول بعد ذكر أقوال ابن حجر والحافظ العلائي وحكمهم بحسن الحديث : " وقد كنت أجيب بهذا الجواب دهرا إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في ( تهذيب الآثار ) مع تصحيح لحديث ابن عباس فاستخرت الله وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة " (1) .


وتجد تصحيح الخبر من قبل ابن جرير الطبري في كتابه ( تهذيب الآثار ) مسند علي بن أبي طالب (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) كنز العمال - ج13 ص149

(2) تهذيب الآثار - ص104

   
Developed by Royal Solutions