( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 401 -

 36 - قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة
 

قال معلقا على حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة : " إن خبر مالك مشتهر في كتب التاريخ وهو قد منع الزكاة بعد وفاة النبي (ص) ، وقيل أنه تابع سجاح ولكن المشهور هو منعه الزكاة " .

ثم أنكر مقولة عمر لخالد : " يا عدو الله قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بالحجارة " .

قال : " أين سند الرواية ، نعم ذكرت في بعض كتب التاريخ فكان ماذا ؟ وفي السند محمد بن حميد الرازي ضعف .

نقول : عجبا من إنسان يعرض روايات الطبري التي في سندها سيف بن عمر والذي اعترض في عدة موارد على نقل رواياته واعتمادها بل صدرت منه الشتائم لذكر البعض رواية في سندها سيف ، والآن يأتي محكما أهواءه فيذكر روايات سيف على أنها تعطي الصورة الواقعية للحدث ، وأما ما نقله محمد بن حميد فهو الكذب الذي لا يصح ؟!


فكل ما رواه من خبر أدفئوا أسراكم وأنها كانت في لغة كنانة القتل وتزوج أم تميم وتركها لينقضي طهرها من خبر سيف بن عمر نقلها الطبري في أحداث سنة11 (1) ، وأما استجابة مالك لسجاح فهو من رواية ابن حميد وفي سنده سيف بن

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ الطبري - ج2 ص502

 

 

- ص 402 -

عمر ذكرها الطبري في تاريخه (1) ، بل حتى روايات الطبري التي نقلت ذلك تصرح بندم مالك على ذلك ، راجع كل من تاريخ الطبري (2) و ( البداية والنهاية ) لابن كثير (3) .


بل العجب أن خبر قول مالك : " إن صاحبكم كان يزعم ذلك ، فقال خالد : " أهو صاحبنا وليس بصاحبك ؟ يا ضرار اضرب عنقه " الذي ذكره معتمدا عليه هو جزء من الخبر الذي فيه مقولة عمر : " يا عدو الله قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على

امرأته والله لأرجمنك بالحجارة " ، وهي الرواية التي ضعفها هو بنفسه لضعف ابن حميد ، فانظر إلى الأمانة ، المقطع الذي يعجبه يسكت عن تقييمه ويعرضه وكأنه الصحيح من الأخبار ، وأما المقطع الذي لا يعجبه يعمل فيه خناجر التضعيف !!


نعم هو نقل الخبر الذي فيه قول خالد : " أهو صاحبنا وليس بصاحبك " عن ابن كثير في ( البداية والنهاية ) ولكن ابن كثير ذكره ولم يذكر له سندا فالظاهر أنه خبر الطبري السابق ، وبقية الخبر كما ينقل ابن كثير في تاريخه : " وأمر - أي خالد -

برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب من المرتدة وغيرهم ، ويقال إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته ، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع

وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق ، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد ، وقال للصديق : اعزله فإن في سيفه رهقا " (4) .

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ الطبري - ج2 ص498
(2) نفس المصدر السابق - ص501

(3) البداية والنهاية - ج6 ص354
(4) المصدر السابق

 

- ص 403 -

قال خليفة بن خياط في تاريخه بسند ورجاله ثقات : حدثنا علي بن محمد عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه فجزع من ذلك جزعا شديدا ، فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه ، فقال أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ ؟ ورد أبو بكر خالدا ، وودى مالك بن نويرة ورد السبي والمال (1) .


وهذا الخبر المذكور في تاريخ ابن خياط يدل على كذب قصة " أن أدفئوا أسراكم " ، فلو كان هناك خطأ لغوي لماذا السبي وسلب المال ويصل إلى المدينة فيردهم أبو بكر ، بل روى في تاريخه في الصفحة نفسها بسنده عن أبي قتادة أنه قال : " فثاروا إلينا قالوا من أنتم ؟ قلنا : نحن عباد الله المسلمون ، فقالوا : ونحن عباد الله المسلمون ، وقد كان خالد بث سراياه فلم يسمعوا آذانا وقاتلهم قوم بالبعوضة من ناحية المرار ، فجاؤوا بمالك بن نويرة في أسرى من قومه ، فأمر خالد بأخذ أسلحتهم ثم أصبح فأمر بقـتلهم " فالقتل كان صباحا ، لا أن القتل وقع ليلا بسبب البرد واللبس في كلمة أدفئوا ، فلاحظ .



ثم ما قيل من انه " تأول فأخطأ " التي قالها أبو بكر عن خالد فقول عجيب لأن الواقعة بين نقلين :
فإذا كان الأمر كما ذكر من قصة " أدفئوا أسراكم " فقتلوهم ، فخالد لا دور له حتى يقال تأول فأخطأ .


وإن كان قصة منع الزكاة وقول مالك : إن صاحبكم كان يزعم ذلك ، ورد خالد : أو ما تعده لك صاحبا ، فهو قتل واقع بسبب أمر أبي بكر ، فقد ذكر الطبري : " وكان مما أوصى به أبو بكر إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ خليفة بن خياط - ص53

 

 

- ص 404 -

عنهم وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ثم تقتلوا كل قتلة الحرق فما سواه وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم ، وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة " (1) ، فأين الخبر الذي ينقل الواقعة بطريقة يمكن أن تفسر تأول فأخطأ ؟


والمهم إن خبر زواجه بزوجته واعتباره زنا من قبل عمر بالإضافة إلى ما نقله الطبري وابن كثير ذكره ابن عماد الحنبلي في ( شذرات الذهب ) : " فضرب عنقه ، واشترى زوجه من الفيء وتزوجها ، فأنكر عليه عمر ، والصحابة ، وسأل عمر أبا بكر قتل خالـد بمالك أو حده في زواج زوجته " (2) .
 


وكذلك ذكر ابن الجوزي الخبر في ( المنتظم ) : " فضرب عنقه وقتل أصحابه وكانت له امرأة يقال لها أم تميم بنت المنهال من أجمل الناس والنساء فتزوجها خالد … ، روى المؤلف بإسناده عن محمد بن الزبير وغيره : إن خالدا لما نزل البطاح بث

السرايا فأتى بمالك وكان في السرية التي أصابتهم أبو قتادة شهد أن لا سبيل عليه ولا على أصحابه ، وشهد الأعراب أنهم لم يؤذنوا ولم يقيموا ولم يصلوا ، وجاءت أم تميم كاشفة وجهها حتى أكبت على مالك وكانت أجمل الناس ، قال لها : إليك عني

فقد والله قتلتيني ، فأمر بضرب أعناقهم … قال أبو قتادة : ترك قولي وأخذ بشهادة الأعراب الذين فتنتهم الغنائم ، فقال عمر (رض) : إن في سيف خالد رهقا وإن يكن هذا حقا فعليك أن تقيده … فلما رآه عمر (رض) قال : أرياء يا عدو الله عدوت

على رجل من المسلمين قتلته ثم تزوجت امرأته لئن أمكنني الله منك لأرجمنك " (3) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) تاريخ الطبري - ج2 ص502
(2) شذرات الذهب - ج1 ص16

(3) المنتظم - ج3 ص24

 

- ص 405 -

وذكر الخبر البلخي في ( البدء والتاريخ ) : " ذكر مقتل مالك بن نويرة … أحاط بيوتات مالك بن نويرة وهم مسلمون ، وكانت لمالك امرأة وسيمة فمال إليها خالد وأمر بقتل مالك … فالتفت مالك إلى امرأته وقال : يا خالد هذه قتلتني ، ولما قدم خالد قال عمر (رض) لأبي بكر اقتله فإنه قتل وزنا " (1) .
 


وذكر أبو الفداء في تاريخه : "… وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما ، فقال مالك : ياخالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا ، فقال خالد : لا أقالني الله إن أقلتك ، وتقدم إلى ضرار بن الأزور

بضرب عنقه ، فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد : هذه هي التي قتلتني ، وكانت في غاية الجمال ، فقال خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام ، فقال مالك : أنا على الإسلام ، فقال خالد : ياضرار اضرب عنقه ، فضرب عنقه وجعل رأسه أثفية القدر … " (2) .


ومحمد بن حميد المذكور في سند الطبري وإن ضعف ولكن كان ابن معين يعتمد عليه ، قال ابن حجر في ( تقريب التهذيب ) : " حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه " (3) ، وقال أبو حاتم في ( الجرح والتعديل ) (4) : قال يحيي بن معين عنه : " ثقة لا بأس به رازي كيس " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) البدء والتاريخ - ج2 ص95
(2) المختصر في تاريخ البشر - ج1 ص221

(3) تقريب التهذيب - ج2 ص69
(4) الجرح والتعديل - ج71 ص232

   
Developed by Royal Solutions