( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 415 -

 39 - حديث " الخلفاء من بعدي اثنا عشر "
 

أنكر مجيء حديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش بلفظ كلهم من بني هاشم .

نقول : والحديث بلفظ " كلهم من بني هاشم " ذكره الحافظ القندوزي الحنفي في كتابه ( ينابيع المودة ) ، قال : " وفي المودة العاشرة من كتاب ( مودة القربى ) للسيد علي الهمداني ( قدس الله سره ) وأفاض علينا بركاته وفتوحه عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال : كنت مع أبي عند النبي (ص) فسمعته يقول بعد اثنى عشر خليفة ثم اخفى صوته ، فقلت لأبي : ما الذي أخفى صوته ؟ قال : قال :كلهم من بني هاشم " (1) .


ثم علق بعد عدة أسطر : " أنه لا يمكن حمله على الملوك الأموية … ولكونهم غير بني هاشم لأن النبي (ص) قال : كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر ، وإخفاء صوته (ص) في هذا القول يرجح هذه الرواية لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم " (2) .


ولا نريد ادعاء صحة السند على مبانيهم هنا ولكن نقول أن الرواية بلفظ " كلهم من بني هاشم " مذكور في بعض المصادر .
 

 

* هامش *

 

 

(1) ينابيع المودة - ص533

(2) نفس المصدر السابق - ص535

 

- ص 416 -

وقد نقل العلامة المجلسي في ( البحار ) عن ( كفاية الأثر ) رواية عن أنس ابن مالك قال : صلى بنا رسول الله (ص) صلاة الفجر ثم أقبل علينا وقال : " معاشر أصحابي من أحب أهل بيتي حشر معنا ومن استمسك بأوصيائي من بعدي ، فقد استمسك بالعروة الوثقى " فقام إليه أبو ذر الغفاري فقال : يا رسول الله كم الأئمة بعدك قال : " عدد نقباء بني إسرائيل " ، فقال : كلهم من أهل بيتك ؟ قال : " كلهم من أهل بيتي تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم " (1) .



قال : ألفاظ الحديث تدل على أن هؤلاء الإثنى عشر يحكمون الناس ويتأمرون عليهم وهذا ظاهر ولم يحكم من أئمة الشيعة الإثنى عشر إلا علي والحسن (رض) .

وقال : أخبر النبي (ص) أن الدين يبقى عزيزا منيعا حتى ينتهي حكم الإثنى عشر خليفة ، وفي اعتقاد الشيعة أن الثاني عشر لم يخرج بعد مع ما يعيشه المسلمون اليوم من ذل وضعف .


نقول : لا دلالة لألفاظ الحديث على الحكم والتأمر الفعلي حتى يقال أنها لا تنطبق إلا على علي والحسن (ع) ، فأول طرق تفسير الحديث الشريف هو تفسيره بنفس النص الشرعي ، والقرائن التي رافقته .


فقد ورد عن النبي (ص) في ( المعجم الكبير ) للطبراني : عن جابر بن سمرة قال كنت مع أبي عند النبي (ص) فقال : " يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيما لا يضرهم من خذلهم ، ثم همس رسول الله (ص) بكلمة لم أسمعها ، فقلت لأبي : ما الكلمة التي همس بها النبي (ص) قال : كلهم من قريش " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) بحار الأنوار - 36 ص310

(2) المعجم الكبير - ج2 ص196 ( 1794 )

 

- ص 417 -

فالحديث النبوي يشير إلى أن الأمة إن خذلت أولئك الخلفاء الاثنى عشر فهذا أمر لا يضر كونهم أصحاب الحق ، ومما يدل على ذلك أيضا قول النبي (ص) لعلي : " إن الأمة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي وتقتل على سنتي من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني وإن هذه ستخضب من هذا " .
رواه الحاكم في ( المستدرك ) قال الحاكم : صحيح ، وقال الذهبي في التلخيص : صحيح (1) .


فكيف يدعى مع هذا أن الرواية صريحة وواضحة في أن الإثنا عشر يحكمون ، وعزة الدين ومنعته المذكورة في بعض طرقها يقصد بها قوة وعزة حججه وبيناته وآياته وإن كان مهزوما في عالم السياسة والحكم .


وعليه يتضح مفهوم العزة في القرآن الكريم من خلال قوله تعالى ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) (2) وقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (3) ، وقوله تعالى ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (4) .


فعزة الدين ومنعته لا تكون بالمقاييس الظاهرية ، إن الدين منيع ولو كانت الظروف تقهره على مصالحة المشركين بل والخضوع لسطوتهم ، بل العزة تقاس بقدر استمداد الإنسان والمجتمع القوة من منبع العزة وهو الله تعالى ، بالتالي فالمؤمن عزيز وإن كان في زوايا السجون يتجرع الآلام ذليل وفق الظاهر ومقاييس أهل الدنيا للذل والعزة .
 

 

* هامش *

 

 

(1) المستدرك على الصحيحين - ج3 ص153 ( 4686 )
(2) فاطر : 10

(3) المنافقون : 8
(4) يوسف : 21

 

- ص 418 -

فالرواية هي بمعنى قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) ، فهؤلاء الأئمة من قريش من نور الله الذي لا يمكن أن يطفئه الظلمة ؟
 


قال الشوكاني في ( فتح القدير ) : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده ( وَدِينِ الْحَقِّ ) وهو الإسلام ( لِيُظْهِرَهُ ) أي ليظهر رسوله أو دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين " (2).


فإذا فسر ظهور الدين وإتمامه في الآية بذلك ، فما هو المانع من تفسير ظهور أمر الأئمة g بمثل ذلك ، فيكون الدين ظاهرا بحججه الأئمة الإثنى عشر موجودين بين الناس ، ولا يتنافى مع هذا المعنى تسلط الظالمين على الحكومات ومحاولاتهم الضغط عليهم .



وقال : " والشيعة الأول لم يكونوا يقولون بإمامة الاثني عشر ولهذا انقسمت الشيعة إلى فرق كثيرة … فأنت ترى أن القول باثني عشر إمام جاء متأخرا جدا وإلا ما كانت هذه الفرقة بين الشيعة المتقدمين فهي أحاديث وضعت بعد وفاة النبي (ص) وبعد وفاة أكثر أئمة الشيعة .
فقد تبين أن الشيعة هم الذين جعلوا هذا العدد مساويا لحديث رسول الله (ص) " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) التوبة : 32

(2) فتح القدير - ج2 ص404

 

- ص 419 -

نقول : ليس العلم مجرد دعاوي تدعى ، فالدعاوي سهلة وهي في مقدور الجميع بل حقيقة العلم هو الدليل والإثبات .

فكيف يكون انقسام الشيعة في بعض مراحل التاريخ دليلا على أن الشيعة الأوائل لم يكونوا يقولون بإمامة الاثنى عشر ، وهذه روايات الكليني والطوسي والنعماني بأسانيدها الصحيحة إلى سماعة بن مهران وابن أبي عمير وحماد بن عيسى وعمر بن أذينة وإبراهيم بن عمر اليماني والحسن بن محبوب السراد وعبد الله بن الصلت القمي وأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري - وجلهم توفي قبل ولادة الإمام الثاني عشر (عج) - تفيد أن أحاديث الاثنى عشر إماما كانت معروفة لدى الثقاة من الشيعة قبل ولادة المهدي (عج) .
 


ويكفي أن تقرأ الخبر الأول في كتاب الحجة باب " ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم (ع) " من الكافي بسند صحيح إلى الإمام الجواد (ع) والخبر الخامس عشر وهو بسند حسن بل صحيح عن أبي جعفر الباقر (ع) قال : "يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم " (1) .
 


والشيعة كما يعتقدون بمخالفة جمع من الصحابة لوصية رسول الله (ص) في ولاية علي (ع) يعتقدون بحدوث هذه الانحرافات بين أصحاب الأئمة فيخالف بعض أصحابهم وصية الإمام السابق فيصبح بعضهم واقفيا وبعضهم فطحيا وهكذا ، فأين التلازم

بين انقسام الشيعة في بعض فترات التاريخ وأنهم لم يكونوا يعتقدون بالاثني عشر وأنها روايات وضعت بعد ذلك ، هل على هذا النسق للقائل أن يقول إن أهل السنة على باطل لأنهم انقسموا إلى فرق بعضها تبنت عقائد باطلة ، وهذا دليل على إنهم ليسوا على حق .

 

* هامش *

 

 

(1) الكافي - ج1 ص525

 

 

- ص 420 -

بل كيف يقال أنها روايات وضعت بعد زمن من وفاة النبي (ص) بل ووفاة أكثر أئمة الشيعة وهي في صحاح أهل السنة يعتقدون بها فهل وضعها الشيعة في صحاحهم .


نعم حاملو راية الإثنى عشر إماما هم مجموع بدأ من النبي (ص) وسقط من سقط بعد وفاته (ص) وسقط آخرون بعد الإمام الصادق (ع) وآخرون بعد الإمام الكاظم d وبعضهم سقط بعد وفاة الإمام العسكري (ع) ، ولكن على مدى هذا التاريخ الطويل بقي حملة للراية يدافعون عن الحق ، ولا يمكن لعاقل أن يدعي أن مجرد افتراق البعض عن الحق في بعض الأزمنة دليل على بطلان ذلك الحق الجلي .




قيل : النبي (ص) لا يذكر الأعم وهو يريد الأخص فهذا خلاف البلاغة والنبي (ص) أبلغ الناس .

نقول : إن رواية " كلهم من قريش " هي رواية واحدة ينقلها جابر بن سمرة ولم ينقلها غيره إلا أبي جحيفة عن عمه وبنفس سياق جابر فمن الواضح إن الحديث عن واقعة واحدة قال فيها رسول الله (ص) ذلك .

وأمر الرواية يدور حول احتمالين :

الأول : أنها قيلت في محضر للأنصار لدفع تخيلهم أن تكون الخلافة فيهم ، ولذا لم يذكر العنوان الخاص واكتفى بالعنوان العام ، وإلا فرسول الله (ص) ذكر العنوان الخاص وهو عنوان العترة وأهل البيت (ع) في عدة مواضع تنقلها كتب الشيعة ، بل كتب السنة .


الثاني : إن الرواية لم تنقل بصورة صحيحة ، والقرينة التي تدل على ذلك هو تصريح جابر أنه لم يسمع ما قال رسول الله (ص) والسبب كما هو الحق الضجة

- ص 421 -

والضوضاء التي حدثت من قبل الحاضرين كما تدل بعض النصوص ، وإلا فما تذكره النصوص الأخرى من أن رسول الله (ص) همس بصوته عند بلوغه هذا الموضع لا وجه له ولا يمكن تبريره .
 


فالواقعة تذكرنا برزية الخميس التي ذكرها البخاري ومسلم (1) وذكرا قول ابن عباس : " الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم " ، وهنا حدث لغط جعل السامعين لا يتبينون قول رسول الله (ص) وإليك الأدلة على حدوث اللغط .
 


روى ابن حبان في صحيحه عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (ص) : " لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا ينصرون على من ناوأهم عليه إلى اثني عشر خليفة " قال : ثم تكلم بكلمة أصمتنيها الناس فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : " كلهم من قريش " (2) ، ورواه أحمد في مسنده وقال محققو الكتاب : " إسناده صحيح على شرط الشيخين " (3) .
 


وروى أحمد في مسنده عن جابر قال : خطبنا رسول الله (ص) فقال : " إن هذا الدين لا يزال عزيزا إلى اثني عشر خليفة " قال : ثم تكلم رسول الله (ص) بكلمة لم أفهمها وضج الناس ، فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : " كلهم من قريش " ، قال محققوا الكتاب : " إسناده صحيح على شرط مسلم " (4) .
 


والأوضح من ذلك ما رواه الطبراني في ( الكبير ) عن جابر قال : خطبنا رسول الله (ص) يوما فسمعته يقول : " لن يزال هذا الدين عزيزا منيعا ظاهرا على من ناواه

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج2 ص1259
(2) صحيح ابن حبان - ج6 ص178

(3) مسند أحمد - ج34 ص490 ح( 20966 )
(4) مسند أحمد - ج34 ص449 ح( 20879 )

 

- ص 422 -

حتى يملك اثنا عشر كلهم " ثم لغط الناس وتكلموا فلم أفهم قوله بعد كلهم ، فقلت لأبي : يا أبتاه ما بعـد قوله كلهم ؟ قال : " كلهم من قريش " (1) .


وقال ابن حجر في ( الفتح ) : " ووقع عن أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر ولفظه " … فكبر الناس وضجوا " (2) .


أليست كلها نصوص صريحة في هناك من أحدث اللغط والضجة لكي لا يسمع قول رسول الله (ص) .


هذا وقد روى الخبر الطبراني في ( الكبير ) عن سماك عن جابر قال سمعت النبي (ص) يقول : يكون اثنا عشر أميرا ثم تكلم بشيء لم أسمعه ، فزعم القوم أنه قال : " كلهم من قريش " (3) .


فهل عبارة " فزعم القوم " تنبأ عن شك جابر فيما سمعوه ؟! أم ماذا ؟ الأمـر متروك للمنصفين !!
والكاتب يريد أن يوهم القارئ أن رسول الله (ص) في كل مورد كان يقول إنهم من قريش وليس الأمر كذلك .


بل في أكثر الموارد كان يصرح بأنهم من أهل البيت (ع) ، فهناك نصوص واضحة وصريحة حددت أنهم علي وذريته (ع) فلذا يعجب القارئ من قول الكاتب : " والنبي (ص) لو كان يريد عليا وأبناءه لقال هم علي وأولاده " !

 

* هامش *

 

 

(1) المعجم الكبير - ج2 ص196
(2) فتح الباري - ج13 ص211

(3) المعجم الكبير - ج2 ص248

 

- ص 423 -

فهذه كتب الشيعة مليئة بالنص على إن الإثنا عشر هم علي وأولاده (ع) ، بل حتى عنونتهم بعنوان أنهم من بني هاشم لم يرد إلا في الخبر الذي ذكرناه سابقا وهي إن صحت فتكون قد ذكرت في مقام دفع توهم بني عبد شمس وبني نوفل من أن تكون الخلافة فيهم ، وإلا ليست هي في صدد التحديد الدقيق .


نعم هناك فضل لبني هاشم على غيرها من قريش يفهم مما رواه مسلم في صحيحه : عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول سمعت رسول الله (ص) يقول : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " (1) .


قال النووي في شرحه لهذا الحديث : " استدل به أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم ولا غير بني هاشم كفؤ لهم إلا بني المطلب فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد كما صرح به في الحديث الصحيح " (2) .


فالنبي (ص) حينما يضع أصول الخلافة في قريش فهو بناء على اصطفاء إلهي لقريش من كنانة بعد أن اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، ثم يوضح أن هناك اصطفاء إلهي داخل قريش نفسها يتعلق ببني هاشم والتي يتمثل بشخصه الشريف مركز الدائرة .


وقد بين رسول الله (ص) خصوصية أهل بيته من بين الهاشميين في عدة روايات بل تكفي آية التطهير التي بحثنا عنها سابقا ، وبينا أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين ، وكذلك آية المباهلة ، فهم من تقدم بهم نحو نصارى نجران ليباهلهم على صحة محاجته لهم في المسيح (ع) ، بناءا على أمر الله تعالى له في سورة آل عمران ( فَمَنْ

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج4 ص1782

(2) شرح النووي على صحيح مسلم - ج15 ص36

 

- ص 424 -

حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .


ولكن إن كانت مثل هذه الإيرادات البسيطة تطرح على رؤية الشيعة للرواية فإن أهل السنة لم يستطيعوا أن يجدوا تفسيرا معقولا لها وفق عقيدتهم في الخلفاء ، فالإشكالات عليهم تارة على أصل اعتقادهم بأن الأئمة من قريش ، وأخرى على تحديد العدد بالاثنى عشر .


قال ابن حجر في ( الفتح ) : " حديث ابن عمر لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ، قال الكرماني : ليست الحكومة في زمننا لقريش فكيف يطابق الحديث ، وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفة من قريش وكذا في مصر وتعقب

بأن الذي في الغرب هو الحفصي صاحب تونس وغيرها ، وهو منسوب إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب بن تومرت الذي كان على رأس المائة السادسة ادعى أنه المهدي ثم غلب أتباعه على معظم الغرب وسموا بالخلافة وهم عبد المؤمن

وذريته ، ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص ولم يكن عبد المؤمن من قريش ، وقد تسمى بالخلافة هو وأهل بيته وأما أبو حفص فلم يكن يدعي أنه من قريش في زمانه ، وإنما ادعاه بعض ولده لما غلبوا على الأمر فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص

عمر بن الخطاب وليس بيدهم الآن إلا المغرب الأدنى ، وأما الأقصى فمع بني الأحمر وهم منسوبون إلى الأنصار ، وأما الأوسط فمع بني مرين وهم من البربر وأما قوله فخليفة من مصر فصحيح ، ولكنه لا حل بيده ولا ربط وإنما له من الخلافة

الاسم فقط ، وحينئذ هو خبر بمعنى الأمر وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) آل عمران : 61

(2) فتح الباري - ج6 ص536

 

- ص 425 -

فالكرماني يبدو متحيرا فلا يستطيع حمل الرواية على الحكومات في زمانه لأنها تخالفه ، وكل الولاة في عصره ليسوا من قريش .

ثم يقول ابن حجر : " ويحتمل حمله على ظاهره وإن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في معظم الأقطار وإن كانوا من غير قريش لكنهم معترفون أن الخلافة في قريش ويكون المراد بالأمر مجرد التسمية بالخلافة لا الاستقلال بالحكم والأول أظهر والله أعلم " .


وقال : " وقال عياض : اشتراط كون الإمام قرشيا مذهب العلماء كافة وقد عدوها من مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار " .


ثم يذكر ابن حجر إشكالا على قول القاضي عياض : " قلت : ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال : إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته ، فذكر الحديث ، وفيه فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل ، ومعاذ أنصاري لا نسب له في قريش .


فيحتمل - والكلام لابن حجر - أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيا ، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم " (1) .


وأما الإشكال من حيث تحديد العدد باثنى عشر فهو أعظم ، فهم إن اعتقدوا بأن كل خلفاء بني أمية وبني العباس خلفاء فهم أكثر من اثني عشر وإن أرادوا تحديد اثني عشر منهم تجدهم يقعون في حيص وبيص في تحديد المعيار الذي يحدد الاثني عشر من بين هذا العدد الكبير .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج13 ص120

 

 

- ص 426 -

قال ابن حجر في ( فتح الباري ) : " قال ابن بطال عن المهلب : لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث - يعني بشيء معين " .
وقال : "وقد لخص القاضي عياض ذلك ، فقال : توجه على هذا العدد سؤالان أحدهما أنه يعارضه قوله في حديث سفينة الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " ، ثم تكون ملكا لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن بن علي والثاني أنه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد " .


ويعدد بعدها عدة احتمالات إلى أن يقول في الختام " وقد يحتمل وجوها أخر ، والله أعلم بمراد نبيه " .


ونقل ابن حجر قول ابن الجوزي : " وقال ابن الجوزي في ( كشف المشكل ) : قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مظانه وسألت عنه ، فلم أقع على المقصود به لأن ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة ، ثم وقع لي فيه شيء … " (1) .




ثم قال الكاتب مستهزئا : إن كانوا يحتجون بهذا الحديث لتناسب الرقم فما رأيهم بالحديث عن رسول الله (ص) : " في أمتي اثنا عشر منافقا " .


نقول أولا : هذا الحديث يتحدث عن صحابة النبي (ص) لذا في الحديث السابق عليه في صحيح مسلم في كتاب صفات المنافقين عن حذيفة أن رسول الله (ص) قال :

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري - ج13 ص215

 

 

- ص 427 -

 " في أصحابي اثنا عشر منافقا " (1) ولكنه نقل النص الذي لا يضره ، والمهم أن الحديث بهذا المعنى لا يمكن أن يعبر عن الأجيال المتأخرة عن الصحابة .


ثانيا : العبارة السابقة تجعل الإنسان يشك في أن هذا الكاتب يكتب عن تفكير وتأمل وإلا فأي معنى للعبارة السابقة .


فالشيعة حينما يستدلون برواية " الخلفاء بعدي اثنا عشر " يقولون إن هذا إخبار من رسول الله (ص) بعدد الأئمة الذين يجب اعتبارهم حجج وعلماء ربانيين يؤخذ منهم الدين بعده (ص) ، وتبعا لذلك الشيعة الاثنا عشرية يعتقدون بإمامة الأئمة الاثنا عشر ، فأي علاقة لهذا الاستدلال بتناسب الرقم حتى تذكر رواية " في أمتي اثنا عشر منافقا " .


بل إن الاعتراض يتوجه لمن يعتقد بعدالة الصحابة جميعا ويتخذهم مصدرا للدين مع أنه وفق حديث " في أصحابي اثنا عشر منافقا " يقطع بأنه اتخذ بعض المنافقين أئمة ، وأما الشيعة فأئمتهم من نزل فيهم قوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2) .

 

نهاية القسم الأول
17 من ربيع الأول 1422 المولد النبوي الشريف
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح مسلم - ج4 ص2143 ح( 9 )

(2) الأحزاب : 33

   
Developed by Royal Solutions