( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

النفيس في بيان رزية الخميس - الشيخ عبدالله دشتي ص 45 -

 
3 - هل التاريخ الإسلامي أسود


قال الكاتب : " وصم التاريخ الإسلامي بأنه تاريخ أسود فرية شيعية " .



نقول : هذه فرية على الشيعة فالشيعة يعتقدون أن الزمن الذي تشرف بوجود رسول الله (ص) ومن تربوا على يديه المباركتين وحملوا لواء التوحيد في زمن الكفر والشرك هو خير الأزمان ، وهي الصفحة الأكثر إشراقا بين صفحات التاريخ البشري .


نعم الشيعة يعتقدون أن زمرة المنافقين وأبناء الطلقاء حينما وصلوا إلى دفة الحكم بدأ السواد يملأ التاريخ الإسلامي وذلك مع عهود أمثال معاوية وابنه يزيد الذي استحل حرمة مدينة النبي (ص) وأباحها ونسائها لجنوده وهدم الكعبة وقتل سيد شباب أهل

الجنة (ع) ، وأمثال الحجاج بن يوسف الثقفي هذا المبير الظالم الذي أنّ المسلمون تحت وطأة جوره وظلمه ، الظلام والسواد جاء من أمثال هؤلاء ، وهل هي حقائق يمكن إنكارها ؟
 


وقد روى أبو يعلى في ( المسند ) والحاكم في ( المستدرك ) بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) رأى في المنام كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ وقال : " ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو

القردة " ، قال فما رئي رسول الله (ص) مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات (ص) ، وقد صحح الحديث الذهبي في التلخيص (1) .

 

* هامش *
(1) المستدرك على الصحيحين - ج4 ص527

 

 

 - ص 46 -

وكذلك صححه الشيخ حسين أسد محقق مسند أبي يعلى (1) .
 

فالمستقبل الذي رآه رسول الله ولم ير ضاحكا بعدها حتى مات ، وهل توصف تلك الأحداث بأنها نقاط مشرقة ناصعة في التاريخ ؟ أم هي بقع سوداء مظلمة دامية تركت آثارها السيئة في تاريخ المسلمين .


ورغم أن الرواية التي تصف رسول الله (ص) بأنه لم ير ضاحكا تتعلق بفترة مؤقتة زائلة لكنها تعبر عن أن لتلك الفترة أعمق الأثر في مستقبل الأحداث واعوجاج بعض مؤسسات المجتمع الإسلامي ، نعم بقيت هناك صفحات بيضاء مشرقة بين ذلك الظلام الذي غطى صفحات تلك الأيام من التاريخ الإسلامي .

ثم قال " وإن أريد تاريخا أسودا فلا مثل تاريخ الشيعة فهم لم ينصروا الإسلام يوما ولا فتحوا بلادا ولا دفعوا عدوا " ، ثم حدد القائل بعض الأمثلة التاريخية المزعومة لتلك المقولة فقال : "بل العكس هو الصحيح فجهادهم دائما ضد أهل السنة في القديم والحديث أما القديم فلا نعرف لهم جهادا ولا غناء في الإسلام والذي نعرفه هو ما يلي :

 1. مساندتهم للتتار عندما دخلوا بغداد وعاثوا فيها فسادا عن طريق ابن العلقمي والنصير الطوسي " .

نقول : وأما الشيخ نصير الدين الطوسي فعند الرجوع إلى تاريخ ابن كثير تجده يقول : " ويقال إن الذي أشار بقتله - الخليفة المستعصم - الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي " (2) .
 

 

* هامش *
(1) مسند أبي يعلي - ج11 ص348
(2) البداية والنهاية - ج13 ص234

 

 

 - ص 47 -

وفي مورد آخر يقول ما نصه :
" النصير الطوسي : محمد بن عبد الله الطوسي كان يقال له المولى نصير الدين ، اشتغل في شبيبته وحصل علم الأوائل جيدا وصنف في ذلك علم الكلام ، وشرح الإشارات لابن سينا ، ووزر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو ، وكان معه في واقعة بغداد ، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكو خان بقتل الخليفة فالله أعلم ، وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه قال : وكان عاقلا فاضلا كريم الأخلاق … " (1) .


فهذا ابن كثير يثني عليه ولا يتهمه بل يستبعـد أن يصدر منه مساندة للتتار ، وشهادة ابن كثير بأن ذلك " لا يصدر من عاقل فاضل مثله " ، علاوة على ذكر شهادة الآخرين له تكذب التهمة التي ألصقها ابن تيمية زورا وبهتانا .


فهل قرأ الكاتب هذه الشهادة من ابن كثير في حق الشيخ نصير الدين الطوسي قبل أن يجعل تاريخه مرجعا للقارئ ودليلا على اتهام للشيخ ؟


وهذا الذهبي يذكر الواقعة ولا يشير إلى دور لنصير الدين الطوسي في الأمر قال في ( العبر ) : " كان المؤيد ابن العلقمي قد كاتب التتار وحرضهم على قصد بغداد لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي… " (2) .


أما قبول وزارة هولاكو فالتاريخ مليء بمن يضطر تحت التهديد والقوة أن يستوزر للظالمين ، ولكنه في نفس الوقت يحفظ دينه بل يسعى لتحقيق مصالح المسلمين أو تخفيف الضرر عنهم ، وهذا المحمل يتأكد في مثل الشيخ لما يتمتع به من الصلاح والعقل الذي صرح به ابن كثير وغيره .

 

* هامش *
(1) البداية والنهاية - ج13 ص313
(2) العبر - ج3 ص277

 

 

 - ص 48 -

بل تجده يستفيد من موقعه لإنقاذ النفوس من بطش هولاكو نقل الصفدي في ( الوافي ) : " ومن دهائه ما حكي لي أنه حصل له - هولاكو - غضب على علاء الدين الجويني صاحب الديوان فيما أظن فأمر بقتله فجاء أخوه إليه وذكر له ذلك وطلب منه إبطال ذلك فقال : هذا القان وهؤلاء القوم إذا أمروا بأمر ما يمكن رده خصوصا إذا برز إلى الخارج ، فقال : لا بد من حيلة في ذلك … " (1) ، فذكر حيلة نصير الطوسي في إنقاذ الجويني من الموت .



أما ابن العلقمي فليس من علماء الشيعة وإنما كان وزيرا للمستعصم آخر خلفاء بني العباس أديبا محبا للعلماء ، واختلفت كلمات المؤرخين واضطربت آراؤهم في دوره في واقعة بغداد وقتل المستعصم فقد قال أبو الفداء في تاريخه ( المختصر في أخبار البشر ) وهو من وفيات ( 732 ) :
" في أول هذه السنة قصد هولاكو ملك التتر بغداد وملكها في العشرين من المحرم وقتل الخليفة المستعصم بالله ، وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضيا وكان أهل الكرخ أيضا روافض فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد

على جاري عادتهم فأمر أبو بكر بن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش ، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد … وخرج عسكر الخليفة لقتالهم … فانهزم عسكر

الخليفة … وخـرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منـه لنفسه وعهد إلى الخليفة المستعصم وقال إن هولاكو يبقيك في الخلافة … وحسن له الخروج إلى هولاكو فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه …
 

 

* هامش *
(1) الوافي بالوفيات - ج1 ص112

 

 

 - ص 49 -

فما تكاملوا قتلهم التتر عن آخرهم ثم مدوا الجسر وعدى باجو ومن معه وبذلوا السيف في بغداد … " (1) .


وقد بين الأستاذ محمد حسين شمس الدين وجهة النظر الأخرى في ابن العلقمي في تعليقه على ما كتبه أبو المحاسن الأتابكي في كتابه ( النجوم الزاهرة ) قال : " تطرح هنا مسألة موقف الوزير ابن العلقمي من سقوط بغداد بيد التتار وهل كان خائنا

للخليفة المستعصم ؟ إن معظم المؤرخين المتأخرين - أمثال ابن تغردي بردي والمقريزي والعيني وابن كثير والسيوطي وغيرهم - يتهمون ابن العلقمي صراحة بالمخامرة على الخلافة العباسية ومواطأة التتار على سقوط بغداد ويردون ذلك إلى

ميوله الشيعية ورواياتهم مشابهة لرواية أبي المحاسن هنا غير أن بعض المؤرخين - ومنهم الثقات - نفى عنه تهمة المخامرة ، وفي هذا الصدد يقول ابن الطقطقى في تاريخه ( الفخري ) : ونسبه الناس إلى أنه خامر وليس ذلك بصحيح ، … وفي

اعتقادنا أن موقف ابن العلقمي يمكن فهمه في سياق مواقف جملة الأمراء والحكام في ذلك الوقت فقد كانت السلطة المركزية في بغداد متداعية ضعيفة وجاءت حملة هولاكو لتلقي الرعب في نفوس الأمراء في العاصمة والأطراف فها هو الملك

الناصر صاحب حلب يرتعد خوفا ويتوسل جميع السبل لإرضاء هولاكو ( انظر مختصر الدول ص278 ) وهاهو بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل والأتابك أبو بكر في إقليم فارس يمدون هولاكو بالمال والرجال طمعا في رضاه وتجنبا لسخطه

( مؤرخ المغول رشيد الدين الهمداني ص35 ) حتى إن بعض سلاطين سلاجقة الروم وهو عز الدين كيكاوس الثاني رسم صورته على نعل زوج من الأحذية وقدمها للخان قائلا : عبدك يأمل أن يتفضل الملك فيشرف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها ( المصدر السابق ص41 ) …
 

 

* هامش *
(1) المختصر في أخبار البشر - ج2 ص302

 

 

 - ص 50 -

ونحن نميل إلى الاعتقاد أن ابن العلقمي عندما أقنع الخليفة بأنه لا داعي للهرب من بغداد لأنه مهد طريق الصلح ، وسوف يأتيه هولاكو والمغول طائعين كان قد وقع ضحية نفس الخدعة التي أوقع بها الخليفة وبالنتيجة كان سقوط بغداد والخلافة وبالا على جميع المسلمين بجميع مذاهبهم وفرقائهم " (1) .
 


وغالبا الأمر كما قال ، فقد ذكر ابن الطقطقى الوزير ابن العلقمي في كتابه ( الفخري ) : " اشتغل في صباه بالأدب ففاق فيه وكتب خطا مليحا وترسل ترسلا فصيحا ، وكان لبيبا كريما رئيسا متمسكا بقوانين الرياسة خبيرا بأدوات السياسة ، محبا

للأدب مقربا لأهل العلم اقتنى كتبا كثيرة نفيسة وصنف الناس له منهم الغاني صنف له ( العباب ) وصنف له ابن أبي الحديد
( شرح نهج البلاغة ) وكان ممدحا مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء وأخباره الطيبة كثيرة وجلية " (2) .
 


وقال عنه ابن أبي الحديد في مقدمته على ( شرح النهج ) : " المولى الوزير الأعظم الصاحب ، الصدر الكبير المعظم العالم العادل المظفر المنصور المجاهد المرابط مؤيد الدين عضد الإسلام سيد وزراء الشرق والغرب أبي طالب محمد بن أحمد بن محمد العلقمي نصير أمير المؤمنين " (3) .



فابن العلقمي أراد أن ينتقم من قيادات الدولة التي قامت بجرائمها البشعة ضد الشيعة في منطقة الكرخ ببغداد وخاصة أبو بكر بن الخليفة المستعصم والدويدار الصغير ، قال الذهبي في ( العبر ) : " وكان الذي حمله على مكاتبة هولاكو عداوة الدويدار وأبي بكر بن المستعصم وما اعتمداه من نهب الكرخ وأذية الشيعة " (4) ،
 

 

* هامش *

 

 

(1) النجوم الزاهرة - ج7 ص44
(2) الفخري - ص295

(3) مقدمة شرح نهج البلاغة - ص4
(4) العبر - ج3 ص284

 

 - ص 51 -

لكن تطورت الأحداث إلى فاجعة هي غالبا لم تكن في حسبان ابن العلقمي وأصبحت الأمور بيد أعتى مجرمي التاريخ وجرت تلك المذبحة العظيمة في حق المسلمين ، وقد ذكر الصفدي في ( الوافي بالوفيات ) ندم ابن العلقمي ، فقال : " وندم حيث لا ينفعه الندم " (1) .



 2. مساندتهم للنصارى في الحروب الصليبية وفتحهم الثغور لهم ، وذكر أن المصدر هو كتاب ( الخمينية وريثة الحركات الحاقدة والأفكار الفاسدة ) ص73 .


نقول : عند مراجعة الصفحة المذكورة من الكتاب وجدنا أن هذا الأمر منقول تحت عنوان النصيرية كإحدى الفرق التي انشقت عن الشيعة .

ولا ندري كيف اعتبر الكاتب الشيعة كلمة مساوية للنصيرية ؟ وكيف ينقل هذا الكلام دون تحقيق ؟ فعلماء أهل السنة ينفون أن تكون النصيرية مع اعتقادها بألوهية علي (ع) من الشيعة ، فهي تخرج بذلك عن كونها من فرق الإسلام .


قال ابن حجر في ( لسان الميزان ) في ترجمة إسحاق بن محمد النخعي :" … قال الخطيب سمعت عبد الواحد بن علي الأسدي يقول : إسحاق بن محمد النخعي كان خبيث المذهب يقول أن عليا هو الله ... قال الخطيب : ثم سألت بعض الشيعة عن إسحاق فقال لي مثل ما قال عبد الواحد سواء …" (2) .


فهنا ينقل الخطيب رأي بعض الشيعة في أن النصيرية مذهب خبيث .

 

* هامش *

 

 

(1) الوافي بالوفيات - ج1 ص184
(2) لسان الميزان - ج1 ص370

 

 

 - ص 52 -

ثم يتابع ابن حجر : " قلت : ولم يذكره في الضعفاء أئمة الجرح في كتبهم وأحسنوا فإن هذا زنديق ، وذكره ابن الجوزي وقال : كان كذابا من الغلاة الروافض ، قلت : حاشا عتاة الروافض من أن يقولوا علي هو الله فمن وصل إلى هذا فهو كافر لعين من إخوان النصارى وهذه هي نحلة النصيرية " .
 


فابن حجر ينزه المتعصب من الشيعة أن يهبط لمستوى النصيرية ، فأين أنتم من كلمات علمائكم ، لكنه للأسف عصر تلبس فيه الجهال بلباس العلماء فلا تجد إلا حقدا وعصبية أعمت العيون والقلوب عن الحق .
 


وقد ذكر العلامة المجلسي في بحار الأنوار أن النصيرية أحيوا عقيدة الغلو في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فقال نقلا عن ابن شهراشوب في كتابه ( مناقب آل أبي طالب ) : " … ثم أحيا ذلك رجل اسمه محمد بن نصير النميري البصري زعم أن الله تعالى لم يظهره إلا في هذا العصر ، وأنه علي وحده ، فالشرذمة اليهودية ينتمون إليه وهم قوم إباحية تركوا العبادات والشرعيات واستحلت المنهيات والمحرمات ومن مقالهم أن اليهود على الحق ولسنا منهم ، وأن النصارى على الحق ولسنا منهم " (1) .


 3. إقامة الاحتفالات عندما هزم جيش العثمانيين على يد الروس وقتالهم المستمر للعثمانيين ، وذكر أن المصدر هو كتاب
( الاعتداءات الباطنية على المقدسات الإسلامية ) ص160 .

نقول : ليس في الصفحة المذكورة من الكتاب وما بعدها ما يدل على هذه الجملة : " إقامة الاحتفالات عندما هزم جيش العثمانيين على يد الروس " .

 

* هامش *
(1) بحار الأنوار - ج25 ص285

 

 

 - ص 53 -

وأما جملة : " وقتالهم المستمر للعثمانيين " ففيه :

أولا : أن كتابا بهذا العنوان " الاعتداءات الباطنية … " لا يصلح أن يكون مرجعا في نقاش يفترض أن يكون موضوعيا ، لذا نتجه إلى كتب كتبت التاريخ بموضوعية ككتاب ( تاريخ الدولة العثمانية ) للكاتب محمد فريد :


قال تحت عنوان عصيان علي بك بمصر : " … وفي ذلك الوقت ( حروب العثمانيين مع الروس ) كان علي بك الملقب بشيخ البلد الذي استقل تقريبا بشئون مصر تخابر مع قائد الدونانمة الروسية بالبحر الأبيض المتوسط ليمده بالذخائر والأسلحة حتى

يتم استقلال مصر فساعده القائد الروسي رغبة في وجود الحرب الداخلية في الدولة وبذلك أمكن علي بك فتح مدائن غزة ونابلس وأورشليم ويافا ودمشق … " . وعلي بك لم يكن شيعيا .



ثم يكمل فريد : " وبعد أن تحصن علي بك في القلعة التجأ إلى الشيخ طاهر الذي كان عاملا على مدينة عكا من قبل الدولة العلية (العثمانية ) واستأثر بها واتحد معه على محاربة العثمانيين بالاتحاد مع الروس وتخليص مدينة صيدا التي كانوا يحاصرونها ، فسارا إلى هذه المدينة فالتقيا بالعثمانيين خارجها وانتصرا عليهم بمساعدة المراكب الروسية التي كانت ترسل مقذوفاتها على الجيش العثماني … " (1) .


فالأمر إذن لا يتعدى أن يكون رغبة في التوسع الإقليمي ، وهذا شأن معظم من يحكي التاريخ عن أنهم امتلكوا السلطة في دولة ما ، ولذا حينما يدور الكلام حول الشاه عباس يقول محمد فريد :


" … هذا وانتهز الشاه عباس هذه الفرصة لاسترجاع بلاد العراق العجمي … ولمناسبة اضمحلال جيوش الدولة في هذه الحروب …" (2) .

 

* هامش *
(1) تاريخ الدولة العثمانية - ص339
(2) نفس المصدر السابق - ص272

 

 

 - ص 17 -

بعد أن كان الكلام قبل ذلك عن توسعات السلطان سليم الأول العثماني : " فأبرم مع جميعهم هدنة لمدد طويلة بما أن مطامعه كانت متجهة إلى بلاد الفرس التي أخذت في النمو والارتقاء في عصر ملكها الشاه إسماعيل الشيعي ، فإنه - أي السلطان سليم - فتح ولاية شيروان وجعل مركزه مدينة تبريز … " (1) .


ومع كل ذلك لم يذكر الكاتب محمد فريد أن العجم قد استعانوا بالروس في حروبـهم مع العثمانيين في سبيل استرجاع دولتهم التي احتلها العثمانيون ، كما فعل علي بك في مصر للاستقلال بالبلد ، ومع ذلك لم يوجه أحد الشيعة تلك التهم إلى السنة لفعل أحدهم تلك الخيانة ، لكنه حقد أسود ملأ قلوب مبغضي أهل البيت (ع) وأتباعهم .

 

 4. قتلهم الحجاج ، وقلع الحجر الأسود ونهبه إلى الإحساء ونسب ذلك إلى كتاب ( بروتوكولات آيات قم ) ص63 .

نقول : في الصفحة المذكورة من الكتاب نقرأ : " يقول النص : يا أهل الكوفة لقد حباكم الله عز وجل بما لم يحب أحد من قبل ، مصلاكم بيت آدم وبيت نوح وبيت إدريس ومصلى إبراهيم … ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه " .


ثم يقول الكاتب هذا وعد من زنادقة العصور البائدة أن يقوموا بنقل الحجر الأسود إلى أماكن العبادات عندهم … " .
نقول : هذا الحديث منقول عن الإمام علي (ع) وبغض النظر عن صحة سنده ، فإنه سيتضح للقارئ أن الإمام علي (ع) في هذا الحديث هو في مقام الإخبار عن
 

 

* هامش *
(1) تاريخ الدولة العثمانية - ص188

 

 

 - ص 55 -

نبأ سيحدث في المستقبل يخص مسجد الكوفة دون تحديد من هو الفاعل ، والحديث المروي عن الإمام d الذي ينقله المجلسي في بحار الأنوار عن ابن أبي الحديد : " كأني بالحجر الأسود منصوبا هاهنا ، ويحهم إن فضيلته ليست في نفسه بل في موضعه وأسه ، يمكث هاهنا برهة ، ثم هاهنا برهة - وأشار إلى البحرين - ثم يعود إلى مأواه وأم مثواه " (1) .


وأما أن يفهم من هذا القول أنه وعد من الزنادقة لنقل الحجر الشريف من مكانه ، فهو لا يصدر إلا من امتلأ قلبه حقدا على المخالفين لرأيه ، بحيث عمى بصره عن البحث التاريخي المنصف .


يقول العلامة المجلسي في ( بحار الأنوار ) معلقا على الخبر الأول : " نصب الحجر الأسود فيه كان في زمن القرامطة حيث خربوا الكعبة ونقلوا الحجر إلى مسجد الكوفة ثم ردوه إلى موضعه … " (2) .


وهذا أيضا ما يذكره أصحاب التاريخ كابن كثير في ( البداية والنهاية ) (3) ، وابن الجوزي في ( المنتظم ) (4) ، والديار بكري في ( تاريخ الخميس ) (5) من أن قتل الحجاج وقلع الحجر الأسود من مكانه قد تم على يد القرامطة لا الشيعة .


كيف يعتبر عاقل منصف فعل القرامطة هو فعل الشيعة وهذا ابن كثير وابن الجوزي يقولان أنهم كانوا يسبون الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب (ع) فكيف يكون شيعيا من يسب عليا (ع) وهو من نسب الشيعة إليه نعم هو منطق المتعصب الأعمى ومع ذلك يصف ما يكتبه بأنه علم .
 

 

* هامش *

 

 

(1) بحار الأنوار - ج40 ص191
(2) نفس المصدر السابق - ج100 ص390
(3) البداية والنهاية - ج8 ص94

(4) المنتظم - ج8 ص94
(5) تاريخ الخميس - ج2 ص350

 

 - ص 56 -

بل ابن الجوزي وابن كثير في الصفحات المذكورة سابقا ذكرا الأخبار التي تدل على أن القوم زنادقة يشتمون عليا (ع) ، فقد نقل ابن الجوزي خبرا يدل على استخفافهم بالإمام علي (ع) قال الراوي في آخره : " فإذا القوم زنادقة لا يؤمنون بالله ولا يفكرون في أحد من الصحابة - قال ابن الجوزي - قال المحسن : ويدل على هذا أن أبا طاهر القرمطي دخل الكوفة دفعات فما دخل إلى قبر علي (ع) واجتاز الحائر فما زار الحسين (ع) … " .



وفي ذلك أيضا يذكر المجلسي نقلا عن ابن أبي الحديد :
" … وقد ذكرنا فيما تقدم من إخباره عن الغيوب طرفا صالحا ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة : ينتحلون لنا الحـب والهوى ويضمرون لنا البغض والقلى ، وآية ذلك قتلهم وراثنا وهجرهم أحداثنا " (1) .



ثم يقول ابن أبي الحديد في ( شرح النهج ) : " وصح ما أخبره d لأن القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقا كثيرا وأسماؤهم مذكورة في كتاب ( مقاتل الطالبيين ) لأبي الفرج ،ومر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغري وبالحائر فلم يعرج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف " (2) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) بحار الأنوار - ج40 ص191
(2) شرح نهج البلاغة - ج10 ص14

   
Developed by Royal Solutions