نقل غير واحد من العلماء- أي علماء الشيعة- إجماع الشيعة الإثني عشرية على أن القرآن محرف " .

ثم أورد أربعة أقوال استدل بها على إجماع علماء الشيعة على القول بتحريف القرآن .


نقول : أما الأول والثاني وهما الفتوني والبحراني فهم من الإخباريين الذين يقول بعضهم بنقص القرآن ، ولكن لا بمعنى أن شيئا من الموجود بين الدفتين ليس من القرآن أو أنه ليس حجة علينا حتى مع ضميمة تفسير الأئمة (ع) ، وهـي من الزلات

الكبيرة التي وقع فيها جمع من الإخباريين ، وخطّأهم أصوليو الشيعة بصورة متعددة ومتكررة ، ومع أنهما تلفظا بكلمتي الضرورة والإجماع ولكن بإطلاق متسامح فيه تناقضت معه عبارتهما ، فضلا عن التقطيع الذي مارسه الناقل لعبارتيهما كي يزين الأمر للقارئ أكثر .


وأما الثالث أي الكوفي فهو من غلاة الشيعة المذمومين فضلا عن أن عبارته لا تدل على ما يريد الكاتب إثباته من مقولة إجماع الشيعة على القول بالتحريف ، وأما الرابع أي الشيخ المفيد ( قدس سره ) فقد أشار في عبارته إلى وجود الروايات لا إلى متبناه في الأمر ، وإليك التفصيل .
 

 - ص 88 -

1. أبو الحسن الفتوني ، الذي قال : " ويمكن القول بكونه من ضروريات المذهب " .

استدل بكلام الفتوني على إجماع الشيعة على القول بالتحريف رغم أن كلمة " يمكن " التي سبقت هذا الحكم في قوله : " يمكن القول بكونه من ضروريات مذهب التشيع " تفيد التردد وعدم اليقين .


ويدل على ذلك أكثر ما قاله الفتوني في السطر التالي مباشرة : " توهم الشيخ الصدوق في هذا المقام حيث قال في كتاب
( الاعتقادات ) : أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه (ص) هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ليس أكثر من ذلك ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب " .


ثم انتقد الفتوني إنكار السيد المرتضى والشيخ الطوسي والطبرسي صاحب مجمع البيان للقول بنقص القرآن ، فهل يبقى بعد أقوال هؤلاء وجه للقطع بإجماع الطائفة على القول بالتحريف في عبارة الفتوني ؟ أليس من الواضح أن الفتوني تساهل في مقولة ضروريات المذهب (1) .


 2. عدنان البحراني ، حيث قال : " القول بالتحريف والتغيير من المسلمات وهو إجماع الفرقة المحقة وكونه من ضروريات مذهبهم " .


العبارة المذكورة من كتابه " مشارق الشموس الدرية في أحقية مذهب الإخبارية " وقد نقلت بشكل مبتور ، فبعد ذكره لروايات الفريقين من السنة والشيعة حول تحريف القرآن قال البحراني :
 

 

* هامش *

 

 

(1) مرآة الأنوار - ص 36

 

 

 - ص 89 -

" إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة وتجاوزت حد التواتر ولا في نقلها كثير فائدة بعد شيوع القول بالتحريف والتغيير بين الفريقين ، وكونه من المسلمات عند الصحابة والتابعين بل وإجماع الفرقة المحقة وكونه من ضروريات مذهبهم " (1) .


والناقل حذف جملة " عند الصحابة والتابعين " التي توضح للقارئ أن عدنان البحراني الذي أخطأ في فهم رأي الصحابة والتابعين ، وعليه لا يمكن الاعتماد عليه في نقله لإجماع الشيعة حول هذا الأمر أيضا ، فحذف الجملة يفيد الناقل في الحفاظ على صورة معقولة لعدنان البحراني عند القارئ .


والظاهر أن عبارة البحراني في قوله " الفرقة المحقة والمذهب " يقصد خصوص الأخبارية ، بدليل أنه في الصفحة التالية يرد على المخالفين لرأيه - وهم كبار علماء الشيعة - بقوله : " فما عن المرتضى والصدوق والشيخ من إنكار ذلك فاسد " .


فتبين أن القول بأنه إجماع الفرقة المحقة - إن قصد بهم عموم الشيعة - تساهل وعدم دقة من البحراني في استعمال الكلمة ، بل هو أقرب للتناقض من كاتب واحد مع عدم وجود فصل كبير بين العبارتين ، وللأسف تكرر من الإخباريين مثل هذا التساهل .


 3. أبو القاسم الكوفي ، وعبارته التي نقلها قوله : " أجمع أهل النقل والآثار من الخاص والعام أن هذا الذي في أيدي الناس من القرآن ليس هذا القرآن كله " .


لاحظ أنه يقصد بأهل الآثار من العام محدثي السنة ومع ملاحظة أن علماء السنة كلهم يعتقدون بنسخ التلاوة ، ووجود بعض الروايات في مصادر السنة والشيعة التي
 

 

* هامش *

 

 

(1) مشارق الشموس الدرية - ص126

 

 

 - ص 90 -

 يظهر منها وجود نقص في القرآن ألا يتضح المقصود من مقولته " أجمع أهل النقل والآثار من الخاص والعام أن الذي بأيدي الناس ليس القرآن كله " (1) ، فكأنه لتخيله أن علماء الحديث والآثار يعتقدون بصحة كل الروايات التي يروونها اعتقد بأنهم

أجمعوا على الاعتقاد بأن هذا الموجود ليس القرآن كله ، والعبارة صحيحة بالنسبة لعلماء السنة الذين أجمعوا على الاعتقاد بنسخ التلاوة ، فمن يعتقد بنسخ التلاوة لابد أنه يعتقد بأن الذي في أيدي الناس من القرآن ليس القرآن كله بل منه ما نزل ونسخت تلاوته .



ثم على الناقل أن ينظر إلى ما قيل في ترجمة هذا الرجل في مصادر الشيعة قبل أن يصفه بأنه من علماء الشيعة ، وقد جمعها السيد الخوئي ( قدس سره ) في كتابه ( معجم رجال الحديث ) وهي صريحة في أن الرجل مجمع على غلوه وتخليطه .


" قال النجاشي : علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي : رجل من أهل الكوفة كان يقول انه من آل أبي طالب ، وغلا في آخر أمره ، وفسد مذهبه وصنف كتبا كثيرة أكثرها على الفساد … " .


وقال ابن الغضائري : " مدعي العلوية كذاب غال صاحب بدعة ومقالة رأيت له كتبا كثيرة لا يلتفت إليه " (2) .


 4. الشيخ المفيد ، نقل قوله s في ( أوائل المقالات ) : " أن الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان " .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الاستغاثة - ص92
(2) معجم رجال الحديث - ج11 ص(216 - 247)

 

 

 - ص 91 -

مستدلا بكلمة الاستفاضة على إجماع الشيعة المزعوم وعلى قول الشيخ المفيد بتحريف القرآن .


نقول : النص المذكور أورده الشيخ المفيد في كتابه ( أوائل المقالات ) لبيان وجود مثل هذه الروايات في الجوامع الروائية - وهذا مما لا ريب فيه كما هي موجودة عند أهل السنة - وليس تقييما لها أو تأييدها بل أن الشيخ قد ذكر رأيه الشخصي الصريح بعد أسطر قليلة تعمد الكاتب حذفها ، ولا يمكن تفسير هذا التعمد إلا بسوء السريرة والعداء .


إذ قال المفيد ( قدس سره ) بعدها : " وقد قال جماعة من أهل الإمامة أنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين (ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك كان ثابتا منزلا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا ، وهذا ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف .


وعندي أن هذا القول أشبه - أي أقرب إلى الصواب - من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل والله اسأل توفيقه للصواب " (1) .

   
Developed by Royal Solutions