فصل في ذكر
نبذ من كلامه عليه السلام
رُويَ عنه
(عليه السلام) انه كان يقول : ان بين الليل والنهار
روضة يرتعي في رياضها الابرار، ويتنعم في حدائقها
المتّقون فادأبوا(3) رحمكم اللّه في سهر هذا الليل،
بتلاوة القرآن في صدره، وبالتضرع والاستغفار في
آخره، واذا ورد النهار فاحسنوا قراه(4) بترك التعرض
لما يرديكم من محقّرات الذنوب، فانها مشرفة بكم على
قباح العيوب، وكأن الرحلة قد أظلتكم وكأَن الحادي(5)
قد حدا بكم جعلنا اللّه واياكم ممن اغبطه فهمه
ونفعه علمه._________________________________(3) دأب في
العمل جد واستمر عليه.(4) مصدر قرى
الضيف : اضافه.(5) الحادي
من يغني للابل والمراد هنا المنذر.
102
وقال (عليه
السلام) في جملة كلامه، واياك والابتهاج بالذنب،
فان الابتهاج بالذنب اعظم من ركوبه.وعن الباقر
(عليه السلام) قال : كان أبي زين العابدين (عليه
السلام) اذا نظر الى الشباب الذين يطلبون العلم،
ادناهم اليه وقال مرحباً بكم انتم ودائع العلم
ويوشك اذا انتم صغار قوم، ان تكونوا كبار آخرين.ورُويَ انه
جاء رجل الى علي بن الحسين يشكو اليه حاله فقال :
مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر
بواحدة منهن ولو اعتبر هانت عليه المصائب وأمر
الدنيا، فاما المصيبة الاولى فاليوم الذي ينقص من
عمره، قال وان ناله نقصان في ماله اغتم به والدرهم
يخلف عنه والعمر لا يرده شيء، والثانية انه يستوفي
رزقه فان كان حلالاً حوسب عليه وان كان حراماً
عوقب، قال : والثالثة اعظم من ذلك، قيل وما هي، قال
ما من يوم يمسي الا وقد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري
على الجنة ام على النار، وقال : اكبر ما يكون ابن آدم
اليوم الذي يلد من امّه، قالت الحكماء : ما سبقه الى
هذا احد.وقال
الكفعمي في البلد الامين ندبة مولانا زين العابدين
(عليه السلام) رواية الزهري، يا نفس حتام الى الحياة
سكونك، والى الدنيا وعمارتها ركونك، اما اعتبرت
بمن مضى من اسلافك(1) ومن وارته الارض من أُلاَّفك(2)،
ومن فجعت به من اخوانك، ونقلت الى دار البلى من
اقرانك،
فهمْ في
بطون الارضِ بعد ظهورِها*** محاسنهُم فيها بوالٍ(3)
دواثرُ(4)خلت
دورُهُم منهم واقوتْ عراصهمْ*** وساقهم نحو المنايا
المقادرُوخلوا عن
الدنيا وما جمعوا لها*** وضمتهم تحت التراب
الحفائر(6)
________________________(1) أي آبائك
المقدمين (منه).(2) بصيغة
الجمع. بمعنى الاصدقاء.(3) أي
الدواثر. يقال بلي الثواب أي رث ودرس.(4) الدثور:
الدروس (منه).(5) أي خلت
عرصات دارهم منهم (منه).(6) جمع حفير
وهو القبر (منه).
103
كم
اخترمت(1) ايدي المنون(2) من قرون بعد قرون، وكم غيرت
الارض ببلاها(3) وغيّبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف
الناس وشيعتهم الى الأرماس(4).
وانت على
الدنيا مكبّ منافس(5)*** لخطابها فيها حريص مكاثِرُعلى خطر(6)
تمسي وتصبحُ لاهياً*** اتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُوإن
امرءأً يسعى لدنياهُ جاهداً*** ويذهل(7) عن اخراه لا
شك خاسرُ
فحتَّام
على الدنيا اقبالك، وبشهوتها اشتغالك وقد وحظك(8)
لقتير ووفاك النذير(9) وانت عما يراد بك ساه، وبلذة
يومك لاه.
وفي ذكر
هولِ الموتِ والقبرِ والبِلى*** عن اللهو واللّذاتِ
للمرءِ زاجرُأبعد
اقترابِ الاربعين تربص*** وشيب القذال منذ ذلك
ذاعر(10)كأنك
معني(11) بما هو ضائر*** لنفسِكَ عمداً(12) او عن الرشدِ
جائرُ(13)
انظر الى
الامم الماضية، والقرون الفانية، والملوك
العاتية(14) كيف انتسفتهم(15) الايام فافناهم
الحمام(16) فامتحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها
اخبارهم.__________________________(1) أي
اقتطعت واستأصلت (منه).(2) المنون :
المنية أي الموت.(3) أي
قديمها البالي.(4) جمع رمس
أي تراب القبر (منه).(5) أي راغب
(منه).(6) الخطر :
الاشراف على الهلاك (منه).(7) أي ينسى.(8) أي خلطك
الشيب (منه).(9) أي اتاك
نذير الموت (منه).(10) أي خائف.(11) انا بها
معني على مفعول أي اهتممت بها.(12) أي
منتظر (منه).(13) أي مائل
(منه).(14) من
العتو (منه).(15) انتسفت
الريح التراب : قلعته وفرقته.(16) بكسر
الأول: الموت.
104واضحوا
رميماً في الترابِ واقفرَتْ(1)*** مجالسُ منهمُ
عُطّلتْ ومقاصرُ(2)وحلّوا
بدارٍ لا تزاوُرَ بينهمْ*** وأنّى لسكانِ القبورِ
التزاوُرُفما إن ترى
الاجثىً(3) قد ثروا بها*** مسنمةً(4) تسفى(5) عليها
الأَعاصرُ(6)
كم عاينت
من ذي عز وسلطان، وجنود واعوان، تمكن من دنياه،
ونال منها مناه، فبنى الحصون والدساكر(7) وجمع
الاعلاق(8) والذخائر.
فما
صرَفتْ كفُّ المنيةِ إذ أتت*** مبادرةً تهوى اليهِ
الذخائرُولا دفعتْ
عنهُ الحصونُ التي بَنَى*** وحفّ بها انهارها
والدساكِرُولا
قارَعت(9) عنهُ المنيةَ خيلُهُ*** ولا طمِعَتْ في
الذبّ عنه العساكِرُ
اتاه من
امر اللّه ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد،
فتعالى الملك الجبار المتكبر القهار، قاصم
الجبارين ومبير المتكبرين.
مليك عزيز
ما يردُّ قضاؤهُ*** عليم حكيم نافذُ الامرِ قاهرُعنا كل ذي
عزٍّ لعزّةِ وجههِ*** فكلُّ عزيزِ للمهيمنِ صاغرُ(10)لقد
خَشَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ وتضاءَلَتْ*** لعزةِ ذي
العرشِ الملوكُ الجبابرُ(11)
_____________________________(1) اقفرت.
أي صارت قفراً.(2) المقاصر
: اصول الشجر. والمقاصير : جمع مقصورة وهي الدار
الواسعة او الحجلة.(3) أي تربة
مجموعة (منه).(4) أي
مرتفعة (منه).(5) أي تذر
(منه).(6) أي ريح
تثير الغبار (منه).(7) الدساكر
: جمع دسكرة وهي بناء شبه القصر حواليه بيوت تكون
للملوك (منه).(8) الاعلاق
: جمع علق بالكسر وهو النفيس من كل شيء (منه).(9) مقارعة
الابطال : قرع بعضهم بعضاً (منه).(10) أي ذليل.(11) أي
شراكها وآلات صيدها.
105
فالبدار(1)
البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما
نصبت لك من مصائدها، وتجلى لك من زينتها، واستشرف
لك من فتنتها :
وفي دونِ
ما عاينتَ من فَجَعاتِها*** الى رفضِها داع وبالزهد
آمرُفجدَّ ولا
تغفل فَعَيْشُكَ زائِل*** وانتَ الى دارِ المنيةِ
صائرُولا تطلبِ
الدنيا فإنّ طِلابَهَا*** وان نلت منها غِبُّهُ لكَ
ضائرُ
فهل يحرص
عليها لبيب، او يسر بلذتها اريب، وهو على ثقة من
فنائها، وغير طامع في بقائها، ام كيف تنام عين من
يخشى البيات او تسكن نفس من يتوقع الممات.
ألا لا
ولكنّا تَغُر نفوسَنا*** وتشغلُنا اللذّاتُ عما
نحاذِرُوكيف يلذُ
العيشُ من هو موقن*** بموقف عدلٍ حين تُبلى السرائرُكأنَّا
نرى ألا نشورَ وانَّنا*** سدى(2) ما لنا بعد الفناء
مصائر(3)
وما عسى ان
ينال طالب الدنيا من لذتها، ويتمتع به من بهجتها مع
فنون مصائبها، واصناف عجائبها، وكثرة تعبه في
طلابها، وفي اكتسابها وما يكابد من اسقامها
واوصابها(4).
وما ان بنى
في كل يوم وليلة*** يروح عليها صرفها ويباكرتعاوره(5)
آفاتها وهمومها*** وكم ما عسى يبقى لها المتعاورفلا هو
مغبوط بدنياه آمن*** ولا هو عن تطلابها النفس غادر(6)
___________________________(1) البدار :
المسارعة.(2) السدى :
المهمل (منه).(3) مصائر :
جمع مصير (منه).(4) الاوصاب
: جمع الوصب وهو المرض (منه).(5) عاوره
الشيء : اعطاه اياه عارية.(6) اسم فاعل
من غدر اصحابه : أي تخلف. يعني ليس بمتخلف او من غدر
بمعنى مكر : أي ليس له حيلة.
106
كم غرّت من
مخلد(1) اليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه(2) من
صرعته، ولم تقله من عثرته، ولم تداوه من سقمه ولم
تشفه من المه.
بلى
اوردته بعد عز ومنعة*** موارد سوء ما لهنَّ مصادرفلما رأى
الا نجاة وأنه*** هو الموت لا ينجيه منه المؤازر(3)تندم لو
يغنيه طول ندامة*** عليه وابكته الذنوب البكائر
بكى على ما
اسلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه حيث لا
ينفعه الاستعبار(4) ولا ينجيه الاعتذار من هول
المنية، ونزول البلية.
احاطت به
آفاته وهمومه*** واُبْلسَ(5) لما اعجزته المعاذرفليس له من
كربة الموت فارج*** وليس له مما يحاذر ناصروقد جشأت(6)
خوف المنية نفسه*** ترددها دون اللهاة(7) الحناجر
هنالك خف
عنه عوّاده، واسلمه اهله واولاده، وارتفعت الرنة(8)
والعويل، ويئسوا من برء العليل، غمَّضوا بأيديهم
عينيه، ومدوا عند خروج نفسه رجليه.
فكم موجع
يبكى عليه تفجعاً*** ومستنجد(9) صبراً وما هو صابرومسترجع
داع له اللّه مخلص*** يعدد منه خير ما هو ذاكروكم شامت
مستبشر بوفاته*** وعما قليل كالذي صار صائر
___________________________(1) اخلد
اليه : ركن اليه.(2) لم تنعشه
: أي لم ترفعه.(3) أي
المعاون.(4)
الاستعبار : البكاء وارسال الدمع.(5) أي يئس
(منه).(6) جاشت
النفس : ارتفعت من خوف او فزع (منه).(7) اللهاة
بالفتح : اللحمة في أعماق الحلق.(8) الرنة :
الانين.(9)
الاستنجاد : الاستعانة (منه).
107
شق جيوبها
نساؤه، ولطم خدودها اماؤه، واعول(1) لفقده جيرانه،
وتوجع لرزئه(2) اخوانه ثم اقبلوا على اجهازه
وتشمروا(3) لابرازه :
فظل احب
القوم كان لقربه*** يحث على تجهيزه ويبادروشمر من قد
احضروه لغسله*** ووجه لما(4) فاض(5) للقبر حافروكفّن في
ثوبين فاجتمعت له*** مشيعة اخوانه والعشائر
فلو رأيت
الاصغر من اولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، فغشي
من الجزع عليه، وقد خضبت الدموع خديه، ثم افاق وهو
يندب اباه، ويقول بشجو(6) واويلاه :
لأبصرت من
قُبحِ المنية منظراً*** يهال(7) لمرآه ويرتاع(8) ناظراكابر
اولاد يهيج اكتئابهم*** اذا ما تناساه البنون
الاصاغرورنة
نسوان عليه جوازع*** مدامعها فوق الخدود غزائر(9)
ثم اخرج من
سعة قصره، الى ضيق قبره، فحثوا بايديهم التراب
واكثروا التلدد والانتحاب(10) وقفوا ساعة عليه، وقد
يئسوا من النظر اليه.
فولوا
عليه معولين(11) وكلهم*** لمثل الذي لاقى اخوه محاذركشاء
رتاع(13) آمنات بدا لها*** بمدية باد الذراعين حاسر(12)فراعت ولم
ترتع قليلاً وأجفلت(14)*** فلما انتحى منها الذي هو
حاذر
__________________________(1) العويل :
رفع الصوت بالبكاء (منه).(2) الرزء :
المصيبة العظيمة.(3) أي
تهيأوا لاخراجه واظهاره (منه).(4) أي ارسل
(منه).(5) أي مات
(منه).(6) أي بحزن.(7) من الهول
(منه).(8) من الروع
وهو الاخافة (منه).(9) جمع
الغزيرة : أي الكثيرة.(10) التلدد :
الالتفات يميناً وشمالاً. والانتحاب : رفع الصوت
بالبكاء (منه).(11) أي
باكين باصوات عالية.(12) والرتاع
: جمع راتع كنائم ونيام (منه).(13) بمدية
باد للذراعين حاسر (خ د) والمدية بالضم : الشفرة أي
السكين العظيم (منه).(14) أي
اسرعت وجدت في الهرب (منه).
108
عادت الى
مرعاها، ونسيت ما في اختها دهاها، افبافعال
البهائم اقتدينا، وعلى عادتها جرينا، عد الى ذكر
المنقول الى الثرى، والمدفوع الى هول ما ترى.
هوى
مصرعاً في لحده وتوزّعت(1)*** مواريثه ارحامه
والاواصر(2)وانخوا
على امواله يخضمونها(3)*** فما حامد منهم عليها وشاكرفيا عامر
الدنيا ويا ساعياً لها*** ويا آمناً من أن تدور
الدوائر
كيف امنت
هذه الحالة، وانت صائر اليها لا محالة، ام كيف
تتهنأ بحياتك وهي مطيتك(4) الى مماتك، ام كيف تسيغ
طعامك وانت تنتظر حمامك(5).
ولم تتزود
للرحيل وقد دنا*** وانت على حال وشيكاً مسافر(6)فيا ويح
نفسي كم اسوف توبتي*** وعمريَ فانٍ والرّدى لي ناظر(7)وكل الذي
اسلفت في الصحف مثبت*** يجازي عليه عادل الحكم قاهر
فكم ترقع
بدينك دنياك، وتركب في ذلك هواك، إني لأراك ضعيف
اليقين يا راقع الدنيا بالدين، ابهذا امرك الرحمن،
ام على هذا دلك القرآن.
تُخرِّبُ
ما يبقى وتَعْمر فانياً*** فلا ذاك موفور ولا ذاك
عامرُوهل لك ان
وافاك حتفك(8) بغتة*** ولم تكتسب خيراً لدى اللّه عاذراترضى بأن
تفنى الحياة وتنقضي*** ودينك منقوص ومالك وافر
________________________(1) توزِّعت:
تقسِّمت(2) جمع آصره
كصاحبه يعني أقرباؤه.(3) قال امير
المؤمنين (عليه السلام) يخضمون مال اللّه خضم الابل
نبتة الربيع(منه).(4) المطية:
الدابة التي تركب.(5) الحمام
بالكسر: الموت.(6) أي
سريعاً (منه).(7) الردى:
الهلاك (منه).(8) أي موتك.
109
فبك إلهنا
نستجير يا عليم يا خبير، من نؤمل لفكاك رقابنا غيرك
ومن نرجو لغفران ذنوبنا سواك، وانت المتفضل
المنَّان، القائم الدّيان العائد علينا بالإحسان،
بعد الاساءة منا والعصيان. يا ذا العزة والسلطان
والقوة والبرهان، اجرنا من عذابك الاليم، واجعلنا
من سكان دار النعيم، يا ارحم الراحمين. |