(موضوع هذا الكتاب)

من أهم مواضيع التاريخ ترجمة صلحاء الأمة وعلمائهم المماثلين للأنبياء. لأن أهم منافعه تذكار من مضى لاعتبار من يأتي. وفي ذكر الأخبار من العلماء الأبرار أعلى مراتب الاعتبار. حيث أوقفوا أنفسهم على سبيل الخيرات ولم يأخذهم في اللّه لومة لائم فسلكوا نهج الحق باقدام راسخة، وأيَّدوا الدين تارة بالألسن وأخرى بالأقلام وثالثة بتعريض أنفسهم للشهادة

14

حفاظاً لحرمة الدين وخدمة للمؤمنين وإرشاداً للسالكين، فحياتهم درس كله لمن ألقى السمع وهو شهيد. فالناظر يستفيد منهم حياً وميتاً.وفي رأس قائدي الدين وحُفّاضه وعلمائه، من وسمه اللّه بوسمة العصمة وأيده بروح منه، هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، حيث شرَّفهم اللّه تعالى بتشريف الإِمامة وقمصهم قميص الولاية. فحياتهم كلها درس شهامة وحرية وأخلاق وفضيلة.فمن الشقاء للمرء المسلم عدم عثوره على حالاتهم وأخلاقهم وسيرتهم. ولما لم يتمكن لعامة الناس ذلك شمَّر عن قميص الجد رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وتذكير الناس بأية وسيلة من الوسائل ففحصوا ونقبوا واستعلموا باحثين عن أحوالهم وسيرهم الشريفة. واثبتوا ما عثروا عليه. فجدير بنا أن نذكر جملة منها، تذكرة لمن لم يعلم وشكراً لمؤلفيه ومجمِّعيه.فأول ما بأيدينا من كتب سير الأئمة ولو في طي حالات نفر آخر: تاريخ اليعقوبي (لابن واضح الاخباري المتوفي 292 هجري وهو تاريخ سنوي عام من بدء هبوط آدم الى عام 259 هجري وقد أدرج في مطاويه أحوال الأئمة ونقل بعض كلماتهم القصار الحكمية .ثم الكافي لمؤلفه ثقة المحدثين جناب محمد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفى سنة 329 هجري. وهذا السفر الشريف وان كان موضوعاً لابداع الأخبار المروية عنهم ولكن في مطاويه عقد أبواباً لمواليدهم ووفياتهم.ثم مروج الذهب. والتنبيه والأشراف. وإثبات الوصية. كلها تأليف المؤرِّخ البارع. علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة 333 هجري.ثم الارشاد للشيخ الأجل شيخنا المفيد قُدِّس سرَّه المتوفى سنة ش 413 هجري.وهذا السفر أقدم كتاب وصل الينا يختص ببيان حياة الأئمة وفضائلهم. والمؤلف وان كان غرضه إثبات الإِمامة لهم من طريق العقل والنقل ولكن لما

15

كانت حياتهم من اوّل الدلائل على ذلك أثبت تاريخهم وما صدر منهم من الكرامات، فكتابه هذا حقيق بأن يكون معقد الدراسة والبحث.ثم إعلام الورى(1) للشيخ الأجل أمين الإِسلام الطبرسي المتوفى سنة 548 هجري. وهو أنفع كتاب في ذلك من المتقدمين. ويشتمل على تاريخ النبي وأجداده وأمير المؤمنين (عليه السلام) والزهراء سلام اللّه عليها وذريتها المعصومين (عليهم السلام).ثم المناقب لابن شهرآشوب السروري المازندراني المتوفى سنة 588 هجري. وكشف الغمة للشيخ المتبحر علي بن عيسى الإِربلي المتوفى سنة 678 هجري، وهذان الكتابان، أجل كتابين في بابهما إذ مؤلفاهما المتتبعان أكثرا النقل عن المخالف والمؤالف وجمعا ما شرد في مطاوي كتابيهما. ولما كانا ثقتين ثبتين عند الفريقين، ومع ذلك يسميان من ينقلان عنه، أثبت ذلك كله لهذين السفرين جلالة ووثاقة عند الكل.كل ذلك من آثار ثقات الشيعة ومحدثيهم ومؤرخيهم. وأما علماء السنة فحيث إنهم مقرون بفضائل الأئمة وشرف انتسابهم بالرسول ذكروا أيضاً تواريخهم منفردة وضمن الوقائع، فقلَّ تاريخ عام إلا وقد ذكرهم في مطاويه وأثنى عليهم. ولذا أغمضنا عن ذكر التواريخ العامة السنوية كتاريخ الطبرسي وابن كثير وابن الأثير وابي الفداء وغيرها. ولكن لم نر بدّاً من ذكر ما أفرده بعض كبارهم في حياة أئمتنا المعصومين، تذكرة لمن أراد الوقوف على أقوال غير الشيعة فيهم (عليهم السلام).فمنهما: مطالب السُّؤول في مناقب آل الرسول لكمال الدين بن طلحة الشافعي المتوفي سنة 652 هجري.__________________(1) ولم نذكر كتاب التهذيب لشيخ الطائفة ورئيسها، شيخنا الطوسي قدس سره وسائر كتب الزيارات كالمصباحين له وللكفعمي وكذا بعض كتب الفقه كالسرائر للشيخ ابن ادريس والدروس لشيخنا الشهيد، للاختصار ولأنهم لا يزيدون عن إثبات المواليد والوفيات.

16

ومنها (وفيات الاعيان) الموضوع لتراجم مشاهير الإِسلام لابن خلكان المتوفى سنة 681 هجري وان كان فيه اشتباهات وزلات في تراجم أئمتنا.ومنها (حلية الأولياء) الموضوع لترجمة الصلحاء والزهاد للحافظ ابي نعيم (مصغرا) الاصفهاني المتوفى سنة 430 هجري.ومنها الفصول المهمة في معرفة الأئمة لنور الدين بن صباغ المالكي المتوفى سنة 855 هجري.هذا مضافاً الى ما دوَّنه المؤرخون في سِير النبي والخلفاء والأصحاب حيث ذكروا في أقرباء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واحفاده، مولانا امير المؤمنين وسيدتنا فاطمة الزكية وابنيهما الحسن والحسين (عليهم السلام) جميعاً.وكذا ما صنفوا في المقاتل حيث إنهم قد أفردوا للحسين مقاتل استوفت وقائع خروجه وشهادته.فمن سير النبي المشتملة لذكر السيدة فاطمة الشريفة ومولانا ابي الحسن وابنيهما، سيرة ابن هشام لأبي محمد عبد الملك بن هشام المتوفى سنة 218 هجري.والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي الشافعي المتوفى سنة 1044 هجري. وغير ذلك من السير.ومن سير الاصحاب وتراجمهم الشاملة لذكر مولاتنا وبعلها وبنيها: طبقات الصحابة والتابعين لأبي عبد اللّه بن سعد المتوفى سنة 230 هجري. الاستيعاب في اسماء الاصحاب، للحافظ ابي عمرو بن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة 463 هجري.وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير عز الدين علي بن أبي الكرم المتوفى سنة 630 هجري.

17

وميزان الاعتدال للذهبي المتوفى سنة 748 هجري.والاصابة في تمييز الصحابة لشيخ الإِسلام شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة 852 هجري.ومن المقاتل الشاملة لمقتل الوصي وشبليه، مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 هجري.ومما أفرد في مقتل الحسين، مقتل أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى سنة 157 هجري. ومقتل الخوارزمي.هذه جملة من المدارك القديمة الموثوق بها. وللمتأخرين مصنفات قيمة في تواريخهم خصوصاً بعض اعلام التشيع في عاصمة إيران بظهور الدولة الصفوية ورفع التقية من الشيعة: ففي ذلك العصر المشعشع قد وفق علماء الشيعة لتأليف مجلدات ضخمة في حالاتهم ومعجزاتهم وأخلاقهم كبحار الأنوار (ج 9 - 10 - 11 - 12 - 13) وعوالم العلوم وغيرهما.ولكن في عصرنا يحسُّ الاحتياج الى تدوين كتاب صغير الحجم جامع لشتات أحوالهم، مشتمل لنبذُ من مكارم أخلاقهم وكراماتهم وكلماتهم القصار الحكيمة، بعبارات واضحة وطرق صحيحة. فصنِّف جناب المؤلف هذا السفر الجليل ففاز بالمراد بل فاق ما أراد. والمشاهدة تكفي عن المبالغة ونحن نشكره على هذه الخدمة القيمة وان كان (ر حمه الله) لا يريد منا جزاء ولا شكوراً. فنسأل اللّه تعالى أن يحشره معهم في الدرجات الآخرة وأن يوفق العلماء بما وفَّقه (رحمه اللّه) لخدمة الدين بأفكارهم وأقلامهم إنه قريب مجيب. آمين رب العالمين تحريراً في 11 من ذي القعدة الحرام وأنا أقل خدمة العلم والدين محمد كاظم الخراساني الشانه جي.

18

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أوضح عن دينه القويم بأئمة الهدى من أهل بيت النبوِّة، وأبلج(1) بأنوار آثارهم عن الصراط المستقيم، واستبان بهم المحجة(2) والصلاة والسلام على نبيه هادي الأمة، وإمام الأئمة وعلى آله الأنوار المضيئة، وبدور الليالي المدلهمة(3).وبعد: فيقول راجي عفو ربه الغني عباس بن محمد رضا القمي عفى عنهما: انه قد سألني بعض الإِخوان من أهل الإِيمان، أن أكتب له ما هو المختار عندي من تواريخ أيام ولادة الحجج الطاهرة سادات الدنيا والآخرة، وأيام وفاتهم صلوات اللّه عليهم فكتبت له وجيزة سمَّيتها (قرة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة). ثم عنَّ(4) لي أن اكتب رسالة أخرى اذكر فيها مختصراً من كيفية ولادتهم ووفاتهم، وأشير الى قليل من مناقبهم، فجمعت هذه الرسالة الشريفة وسميتها الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإِلهية، واوردت فيها أربعة عشر نوراً، وأسأل اللّه تعالى ان يوفقني لاتمامها ويفوزني بسعادة اختتامها إنه جواد كريم._____________________(1) أي أشرق وأضاء.(3) أي شديد السواد.(2) أي وسط الطريق.

(4) أي ظهر واعترض.

   
Developed by Royal Solutions