القسم الثاني

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها مباحث لطيفة من العلم الإلهي

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً ويَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ وكُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ وكُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ وكُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ وكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ وكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ ويَعْجَزُ وكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الأصْوَاتِ ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا ويَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا وكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الألْوَانِ ولَطِيفِ الأجْسَامِ وكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ بَاطِنٌ وكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ ولا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ ولا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ ولا شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ ولا ضِدٍّ مُنَافِرٍ ولَكِنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ وعِبَادٌ دَاخِرُونَ لَمْ يَحْلُلْ فِي الأشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ كَائِنٌ ولَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ ولا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ ولا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ ولا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وقَدَّرَ بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وعِلْمٌ مُحْكَمٌ وأَمْرٌ مُبْرَمٌ الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ

ومن كلام له (عليه السلام) في تعليم الحرب والمقاتلة والمشهور أنه قاله لأصحابه ليلة الهرير أو أول اللقاء بصفين

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ وتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ وعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وأَكْمِلُوا اللَّأْمَةَ وقَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا والْحَظُوا الْخَزْرَ واطْعُنُوا الشَّزْرَ ونَافِحُوا بِالظُّبَى وصِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا واعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ ومَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فَعَاوِدُوا الْكَرَّ واسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الأعْقَابِ ونَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ وطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً وامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً وعَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الأعْظَمِ والرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ وقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ وأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ولَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ

ومن كلام له (عليه السلام) قالوا لما انتهت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال (عليه السلام) ما قالت الأنصار قالوا قالت منا أمير ومنكم أمير قال (عليه السلام)

فَهَلا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ ويُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ قَالُوا ومَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ (عليه السلام) لَوْ كَانَ الإمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ (عليه السلام) فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله) فَقَالَ (عليه السلام) احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ

ومن كلام له (عليه السلام) لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ولَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ ولا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ بِلا ذَمٍّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً وكَانَ لِي رَبِيباً

ومن كلام له (عليه السلام) في توبيخ بعض أصحابه

كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ والثِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ وانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا والضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا الذَّلِيلُ واللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ ومَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ واللَّهِ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ وإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ويُقِيمُ أَوَدَكُمْ ولَكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَكُمْ وأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ولا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ

وقال (عليه السلام) في سحرة اليوم الذي ضرب فيه

مَلَكَتْنِي عَيْنِي وأَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الأوَدِ واللَّدَدِ فَقَالَ ادْعُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي

قال الشريف يعني بالأود الاعوجاج وباللدد الخصام وهذا من أفصح الكلام

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذم أهل العراق وفيها يوبخهم على ترك القتال والنصر يكاد يتم ثم تكذيبهم له

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ ومَاتَ قَيِّمُهَا وطَالَ تَأَيُّمُهَا ووَرِثَهَا أَبْعَدُهَا. أَمَا واللَّهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً ولَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عَلِيٌّ يَكْذِبُ قَاتَلَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ أَ عَلَى اللَّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلا واللَّهِ لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ولَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ

ومن خطبة له (عليه السلام) علم فيها الناس الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وفيها بيان صفات الله سبحانه وصفة النبي والدعاء له

اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ ودَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ وجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وسَعِيدِهَا.

اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ونَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ والْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ والْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ والدَّافِعِ جَيْشَاتِ الأبَاطِيلِ والدَّامِغِ صَوْلاتِ الأضَالِيلِ كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ ولا وَاهٍ فِي عَزْمٍ وَاعِياً لِوَحْيِكَ حَافِظاً لِعَهْدِكَ مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ وهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ والآثَامِ وأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الأعْلامِ ونَيِّرَاتِ الأحْكَامِ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ وشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ ورَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ.

اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ واجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ وأَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ وأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ واجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وخُطْبَةٍ فَصْلٍ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وقَرَارِ النِّعْمَةِ ومُنَى الشَّهَوَاتِ وأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ 2 وَرَخَاءِ الدَّعَةِ ومُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ وتُحَفِ الْكَرَامَةِ

ومن كلام له (عليه السلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة

قَالُوا أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَسِيراً يَوْمَ الْجَمَلِ فَاسْتَشْفَعَ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ (عليه السلام) إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَقَالا لَهُ يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ (عليه السلام) أَ ولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ لا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ وهُوَ أَبُو الأكْبُشِ الأرْبَعَةِ وسَتَلْقَى الأمَّةُ مِنْهُ ومِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ.

ومن خطبة له (عليه السلام) لما عزموا على بيعة عثمان

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي ووَاللَّهِ لأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وفَضْلِهِ وزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وزِبْرِجِهِ

ومن كلام له (عليه السلام) لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان

أَ ولَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي أَ ومَا وَزَعَ الْجُهَّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي ولَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ وخَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ وعَلَى كِتَابِ اللَّهِ تُعْرَضُ الأمْثَالُ وبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ

ومن خطبة له (عليه السلام) في الحث على العمل الصالح

رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى ودُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وأَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وخَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وعَمِلَ صَالِحاً اكْتَسَبَ مَذْخُوراً واجْتَنَبَ مَحْذُوراً ورَمَى غَرَضاً وأَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وكَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ والتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ ولَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وبَادَرَ الأجَلَ وتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ

ومن كلام له (عليه السلام) وذلك حين منعه سعيد بن العاص حقه

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَنِي تُرَاثَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) تَفْوِيقاً واللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ.

قال الشريف ويروى التراب الوذمة وهو على القلب قال الشريف وقوله (عليه السلام) ليفوقونني أي يعطونني من المال قليلا كفواق الناقة وهو الحلبة الواحدة من لبنها. والوذام جمع وذمة وهي الحزة من الكرش أو الكبد تقع في التراب فتنفض

من كلمات كان (عليه السلام) يدعو بها

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي ولَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الألْحَاظِ وسَقَطَاتِ الألْفَاظِ وشَهَوَاتِ الْجَنَانِ وهَفَوَاتِ اللِّسَانِ

ومن كلام له (عليه السلام) قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له إن سرت يا أمير المؤمنين، في هذا الوقت، خشيت ألا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم فقال (عليه السلام)

أتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ واسْتَغْنَى عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ ودَفْعِ الْمَكْرُوهِ وتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وأَمِنَ الضُّرَّ

ثم أقبل (عليه السلام) على الناس فقال:

أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ والْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ والْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ والسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ والْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) بعد فراغه من حرب الجمل في ذم النساء ببيان نقصهن

مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإيمَانِ نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ والصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ وأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الأنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ ولا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ

ومن كلام له (عليه السلام) في الزهد

أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الأمَلِ والشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ والتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ ولا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وكُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ

ومن كلام له (عليه السلام) في ذم صفة الدنيا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وآخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلالِهَا حِسَابٌ وفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ ومَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ومَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ ومَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ومَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ

قال الشريف أقول وإذا تأمل المتأمل قوله (عليه السلام) ومن أبصر بها بصرته وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره لا سيما إذا قرن إليه قوله ومن أبصر إليها أعمته فإنه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحا نيرا وعجيبا باهراً.

ومن خطبة له (عليه السلام) وهي الخطبة العجيبة تسمى (الغراء) وفيها نعوت اللّه جل شأنه، ثم الوصية بتقواه ثم التنفير من الدنيا، ثم ما يلحق من دخول القيامة، ثم تنبيه الخلق إلى ما هم فيه من الأعراض، ثم فضله عليه السلام في التذكير

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلا بِحَوْلِهِ ودَنَا بِطَوْلِهِ مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وفَضْلٍ وكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وأَزْلٍ أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وسَوَابِغِ نِعَمِهِ وأُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً وأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً وأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً وأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لإنْفَاذِ أَمْرِهِ وإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وتَقْدِيمِ نُذُرِهِ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ الأمْثَالَ ووَقَّتَ لَكُمُ الآجَالَ وأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وأَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ وأَحَاطَ بِكُمُ الإحْصَاءَ وأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ وآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ وَالرِّفَدِ الرَّوَافِغِ وأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً ووَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ ودَارِ عِبْرَةٍ أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ومُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا.

فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا يُونِقُ مَنْظَرُهَا ويُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ وضَوْءٌ آفِلٌ وظِلٌّ زَائِلٌ وسِنَادٌ مَائِلٌ حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا وأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ ووَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ومُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ وثَوَابِ الْعَمَلِ. وكَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً ولا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً يَحْتَذُونَ مِثَالاً ويَمْضُونَ أَرْسَالاً إِلَى غَايَةِ الانْتِهَاءِ وصَيُّورِ الْفَنَاءِ.

حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الأمُورُ وتَقَضَّتِ الدُّهُورُ وأَزِفَ النُّشُورُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ وأَوْكَارِ الطُّيُورِ وأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ ومَطَارِحِ الْمَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ وضَرَعُ الاسْتِسْلامِ والذِّلَّةِ قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ وانْقَطَعَ الأمَلُ وهَوَتِ الأفْئِدَةُ كَاظِمَةً وخَشَعَتِ الأصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً وأَلْجَمَ الْعَرَقُ وعَظُمَ الشَّفَقُ وأُرْعِدَتِ الأسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ ومُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ ونَكَالِ الْعِقَابِ ونَوَالِ الثَّوَابِ.

عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً ومَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً ومَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً ومُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وكَائِنُونَ رُفَاتاً ومَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً ومَدِينُونَ جَزَاءً ومُمَيَّزُونَ حِسَاباً قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَجِ وهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ وعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ وكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ وخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ ورَوِيَّةِ الارْتِيَادِ وأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ فِي مُدَّةِ الأجَلِ ومُضْطَرَبِ الْمَهَلِ.

فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً ومَوَاعِظَ شَافِيَةً لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً وأَسْمَاعاً وَاعِيَةً وآرَاءً عَازِمَةً وأَلْبَاباً حَازِمَةً فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ واقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ ووَجِلَ فَعَمِلَ وحَاذَرَ فَبَادَرَ وأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ وعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ وحُذِّرَ فَحَذِرَ وزُجِرَ فَازْدَجَرَ وأَجَابَ فَأَنَابَ ورَاجَعَ فَتَابَ واقْتَدَى فَاحْتَذَى وأُرِيَ فَرَأَى فَأَسْرَعَ طَالِباً ونَجَا هَارِباً فَأَفَادَ ذَخِيرَةً وأَطَابَ سَرِيرَةً وعَمَّرَ مَعَاداً واسْتَظْهَرَ زَاداً لِيَوْمِ رَحِيلِهِ ووَجْهِ سَبِيلِهِ وحَالِ حَاجَتِهِ ومَوْطِنِ فَاقَتِهِ وقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ واحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ واسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ والْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ.

و منها: جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا وأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وأَشْلاءً جَامِعَةً لأَعْضَائِهَا مُلائِمَةً لأَحْنَائِهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا ومُدَدِ عُمُرِهَا بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لأَرْزَاقِهَا فِي مُجَلِّلاتِ نِعَمِهِ ومُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ وقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ وخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ ومُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآمَالِ وشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأبْدَانِ ولَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الأوَانِ فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الْهَرَمِ وأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَمِ وأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلا آوِنَةَ الْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ وأُزُوفِ الانْتِقَالِ وعَلَزِ الْقَلَقِ وأَلَمِ الْمَضَضِ وغُصَصِ الْجَرَضِ وتَلَفُّتِ الاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ والأقْرِبَاءِ والأعِزَّةِ والْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ الأقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ وقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأمْوَاتِ رَهِيناً وفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ وأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ وعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ ومَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وصَارَتِ الأجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا والْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا والأرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا لا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا ولا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِهَا أَ ولَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ والآبَاءَ وإِخْوَانَهُمْ والأقْرِبَاءَ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وتَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا لاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا وكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا.

وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ ومَزَالِقِ دَحْضِهِ وأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ وتَارَاتِ أَهْوَالِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ وقَدَّمَ الْخَوْفَ لأَمَانِهِ وتَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ وسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ ولَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاتُ الْغُرُورِ ولَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الأمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى ورَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وآمَنِ يَوْمِهِ وقَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً وقَدَّمَ زَادَ الآجِلَةِ سَعِيداً وبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ وأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ ورَغِبَ فِي طَلَبٍ وذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ ورَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ ونَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً ونَوَالاً وكَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً ووَبَالاً وكَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً ونَصِيراً وكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وخَصِيماً.

أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ واحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ وحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً ونَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيّاً فَأَضَلَّ وأَرْدَى ووَعَدَ فَمَنَّى وزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ واسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ واسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وحَذَّرَ مَا أَمَّنَ.

أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأرْحَامِ وشُغُفِ الأسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وعَلَقَةً مِحَاقاً وجَنِيناً ورَاضِعاً ووَلِيداً ويَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً ولِسَاناً لافِظاً وبَصَراً لاحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً ويُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ واسْتَوَى مِثَالُهُ نَفَرَ مُسْتَكْبِراً وخَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ وبَدَوَاتِ أَرَبِهِ ثُمَّ لا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً ولا يَخْشَعُ تَقِيَّةً فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً وعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً لَمْ يُفِدْ عِوَضاً ولَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وسَنَنِ مِرَاحِهِ فَظَلَّ سَادِراً وبَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الآلامِ وطَوَارِقِ الأوْجَاعِ والأسْقَامِ بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ ووَالِدٍ شَفِيقٍ ودَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً ولادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً والْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ وغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ وأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وجَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وسَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً وجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ ونِضْوَ سَقَمٍ تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وحَشَدَةُ الإخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ ومُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ ومُفْرَدِ وَحْشَتِهِ حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ ورَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ وعَثْرَةِ الامْتِحَانِ وأَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيمِ وتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ وفَوْرَاتُ السَّعِيرِ وسَوْرَاتُ الزَّفِيرِ لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ ولا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ ولا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ ولا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لا سِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وعَذَابِ السَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وعُلِّمُوا فَفَهِمُوا وأُنْظِرُوا فَلَهَوْا وسُلِّمُوا فَنَسُوا أُمْهِلُوا طَوِيلاً ومُنِحُوا جَمِيلاً وحُذِّرُوا أَلِيماً ووُعِدُوا جَسِيماً احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ والْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ أُولِي الأبْصَارِ والأسْمَاعِ والْعَافِيَةِ والْمَتَاعِ هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلاصٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ أَمْ لا فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ وإِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ الأرْضِ ذَاتِ الطُّوْلِ والْعَرْضِ قِيدُ قَدِّهِ مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ الآنَ عِبَادَ اللَّهِ والْخِنَاقُ مُهْمَلٌ والرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ الإرْشَادِ ورَاحَةِ الأجْسَادِ وبَاحَةِ الاحْتِشَادِ ومَهَلِ الْبَقِيَّةِ وأُنُفِ الْمَشِيَّةِ وإِنْظَارِ التَّوْبَةِ وانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ قَبْلَ الضَّنْكِ والْمَضِيقِ والرَّوْعِ والزُّهُوقِ وقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ وإِخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ .

قال الشريف وفي الخبر أنه (عليه السلام) لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود وبكت العيون ورجفت القلوب ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء.

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذكر عمرو بن العاص

عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ يَزْعُمُ لأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً وأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ أُعَافِسُ وأُمَارِسُ لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً ونَطَقَ آثِماً أَمَا وشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ ويَعِدُ فَيُخْلِفُ ويُسْأَلُ فَيَبْخَلُ ويَسْأَلُ فَيُلْحِفُ ويَخُونُ الْعَهْدَ ويَقْطَعُ الإلَّ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وآمِرٍ هُوَ مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ [أَكْبَرَ] مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَرْمَ سَبَّتَهُ أَمَا واللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ وإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً ويَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً.

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها صفات ثمان من صفات الجلال

وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الأوَّلُ لا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ والآخِرُ لا غَايَةَ لَهُ لا تَقَعُ الأوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ ولا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ ولا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ والتَّبْعِيضُ ولا تُحِيطُ بِهِ الأبْصَارُ والْقُلُوبُ.

ومنها: فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ واعْتَبِرُوا بِالآيِ السَّوَاطِعِ وازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ وانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ والْمَوَاعِظِ فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ وانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الأمْنِيَّةِ ودَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأمُورِ والسِّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ فَ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

و منها في صفة الجنة

دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاتٌ ومَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا ولا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا ولا يَهْرَمُ خَالِدُهَا ولا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا.

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها بيان صفات الحق جل جلاله، ثم عظة الناس بالتقوى والمشورة

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وخَبَرَ الضَّمَائِرَ لَهُ الإحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ والْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ والْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ. فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ وفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ وفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ ولْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ ولْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ فَاللَّهَ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ واسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى ولَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ ولا عَمًى قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ وعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وكَتَبَ آجَالَكُمْ وأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ ولَكُمْ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ وأَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الأعْمَالِ ومَكَارِهَهُ ونَوَاهِيَهُ وأَوَامِرَهُ وأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ واتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ واصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الأيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ والتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ ولا تُرَخِّصُوا لأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ ولا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الإدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ والْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ والْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ والسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ والشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وغُرُورِهِ واعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ومُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإيمَانِ ومَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإيمَانِ الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وكَرَامَةٍ والْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ ومَهَانَةٍ ولا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ ولا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ واعْلَمُوا أَنَّ الأمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ويُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الأمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ وصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ.

ومن خطبة له (عليه السلام) وهي في بيان صفات المتقين وصفات الفساق والتنبيه إلى مكان العترة الطيبة والظن الخاطئ لبعض الناس

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ وهَوَّنَ الشَّدِيدَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ وارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ فَشَرِبَ نَهَلاً وسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى ومُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى وصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى ومَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وسَلَكَ سَبِيلَهُ وعَرَفَ مَنَارَهُ وقَطَعَ غِمَارَهُ واسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا ومِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الأمُورِ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ دَفَّاعُ مُعْضِلاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ يَقُولُ فَيُفْهِمُ ويَسْكُتُ فَيَسْلَمُ قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وأَوْتَادِ أَرْضِهِ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ يَصِفُ الْحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلا أَمَّهَا ولا مَظِنَّةً إِلا قَصَدَهَا قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وإِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ويَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ.

وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلالٍ ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ويُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وفِيهَا وَقَعَ ويَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ولا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وذَلِكَ مَيِّتُ الأحْيَاءِ.

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وأَنَّى تُؤْفَكُونَ والأعْلامُ قَائِمَةٌ والآيَاتُ وَاضِحَةٌ والْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ وهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وأَعْلامُ الدِّينِ وأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ ورِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ (صلى الله عليه وآله) إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ ويَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ فَلا تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ واعْذِرُوا مَنْ لا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وهُوَ أَنَا أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأكْبَرِ وأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأصْغَرَ قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإيمَانِ ووَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ والْحَرَامِ وأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي وفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي وأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأخْلاقِ مِنْ نَفْسِي فَلا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ ولا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ.

ومنها: حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا ولا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الأمَّةِ سَوْطُهَا ولا سَيْفُهَا وكَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً.

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها بيان للأسباب التي تهلك الناس

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلٍ ورَخَاءٍ ولَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأمَمِ إِلا بَعْدَ أَزْلٍ وبَلاءٍ وفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ ومَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ ومَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ ولا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ ولا كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ فَيَا عَجَباً ومَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خَطَأ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ ولا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ ولا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ ولا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ ويَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا والْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ وأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وبلاغ الإمام عنه

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وانْتِشَارٍ مِنَ الأمُورِ وتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا واغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وطَعَامُهَا الْجِيفَةُ وشِعَارُهَا الْخَوْفُ ودِثَارُهَا السَّيْفُ. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ واذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ وعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ ولَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ ولا بِهِمُ الْعُهُودُ ولا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمُ الأحْقَابُ والْقُرُونُ ومَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ. واللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلا وهَا أَنَا ذَا مُسْمِعُكُمُوهُ ومَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالأمْسِ ولا شُقَّتْ لَهُمُ الأبْصَارُ ولا جُعِلَتْ لَهُمُ الأفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلا وقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ ووَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ ولا أُصْفِيتُمْ بِهِ وحُرِمُوهُ ولَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا فَلا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ

ومن خطبة له (عليه السلام) وتشتمل على قدم الخالق وعظم مخلوقاته، ويختمها بالوعظ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ والْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ ولا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ ولا لَيْلٌ دَاجٍ ولا بَحْرٌ سَاجٍ ولا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ ولا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ ولا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ ولا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ ووَارِثُهُ وإِلَهُ الْخَلْقِ ورَازِقُهُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ ويُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ وأَحْصَى آثَارَهُمْ وأَعْمَالَهُمْ وعَدَدَ أَنْفُسِهِمْ وخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ ومُسْتَقَرَّهُمْ ومُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الأرْحَامِ والظُّهُورِ إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ واتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ ومُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ ومُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ وغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ ومَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ ومَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ ومَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ عِبَادَ اللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا وحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ وانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ واعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وزَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ ولا وَاعِظٌ.

ومن خطبة له (عليه السلام) تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه (عليه السلام)

رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِيَاناً لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وبِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ ونَادَى الصَّلاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وهُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ وصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) ثُمَّ قَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ والْجُمُودُ ولا يُكْدِيهِ الإعْطَاءُ والْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وكُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ وهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وعَوَائِدِ الْمَزِيدِ والْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ ونَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ والطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ ولَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ الأوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ والآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ والرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الأبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ ولا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ ولَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ والْعِقْيَانِ ونُثَارَةِ الدُّرِّ وحَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ ولا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ ولَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الأنْعَامِ مَا لا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الأنَامِ لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ ولا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ.

فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ واسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ ومَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ ولا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) وأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ واعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الإقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ ولا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الأوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لا يُنَالُ بِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ ولا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِه الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ ولا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ وأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ واعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وأَعْلامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ودَلِيلاً عَلَيْهِ وإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ ودَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وتَلاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ ولَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ وكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ ونَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وجَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ وأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ والْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ ونَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وإِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً ولا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً.

ومنها: قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ ودَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ ووَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ ولَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ ولَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ فَكَيْفَ وإِنَّمَا صَدَرَتِ الأمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الأشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا ولا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا ولا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ ولا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الأمُورِ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ ولا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ فَأَقَامَ مِنَ الأشْيَاءِ أَوَدَهَا ونَهَجَ حُدُودَهَا ولاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا ووَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ والأقْدَارِ والْغَرَائِزِ والْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وابْتَدَعَهَا.

وَ نَظَمَ بِلا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا ولاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وبَيْنَ أَزْوَاجِهَا وذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ والصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا ونَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وفَتَقَ بَعْدَ الارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ وأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لأَمْرِهِ وجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ بِهِمَا ولِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ والْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا ونَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا ومَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا ورَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وأَجْرَاهَا عَلَى أَذْلالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا ومَسِيرِ سَائِرِهَا وهُبُوطِهَا وصُعُودِهَا ونُحُوسِهَا وسُعُودِهَا.

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الأعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ ومَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ وسُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ ووَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الأسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الأبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا. وأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ لا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ ولا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ ونَهْيِهِ وعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ وأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ وفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ ونَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآثَامِ ولَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي والأيَّامِ ولَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ ولَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ ولا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الإحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ولا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ ومَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وهَيْبَةِ جَلالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ ولَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ ومِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ وفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وفِي قَتْرَةِ الظَّلامِ الأيْهَمِ ومِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأرْضِ السُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ وتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ ووَصَلَتْ حَقَائِقُ الإيمَانِ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وقَطَعَهُمُ الإيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ ولَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرِفَتِهِ وشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ ولَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ ولا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ ولَمْ يَتَوَلَّهُمُ الإعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ ولا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الإجْلالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ ولَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ ولَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ ولَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ ولا مَلَكَتْهُمُ الأشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ ولَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ. ولا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاتِ ولا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ ويَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ ولا يَرْجِعُ بِهِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ ومَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ ولَمْ تَأْسِرْهُمُ الأطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ ولَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ ولا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ ولا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ ولا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ ولا عُدُولٌ ولا وَنًى ولا فُتُورٌ ولَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلا وعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.

و منها في صفة الأرض ودحوها على الماء

كَبَسَ الأرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ ولُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا وتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا وسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً وفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً وسَكَنَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ ورَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ واعْتِلائِهِ وشُمُوخِ أَنْفِهِ وسُمُوِّ غُلَوَائِهِ وكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ ولَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وحَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا وفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وأَخَادِيدِهَا وعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلامِيدِهَا وذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وتَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا ورُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الأرَضِينَ وجَرَاثِيمِهَا وفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وبَيْنَهَا وأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا وأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الأرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا ولا تَجِدُ جَدَاوِلُ الأنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وتَبَايُنِ قَزَعِهِ حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ والْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ ولَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ ومُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ ودُفَعَ شَآبِيبِهِ. فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا وبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأرْضِ النَّبَاتَ ومِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الأعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا وجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأنَامِ ورِزْقاً لِلأنْعَامِ وخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وأَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وأَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ (عليه السلام) خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ وجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ والْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ ولِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ ولَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ ويَصِلُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ومُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) حُجَّتُهُ وبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ ونُذُرُهُ وقَدَّرَ الأرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وقَلَّلَهَا وقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ والسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا ومَعْسُورِهَا ولِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ والصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وفَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا وبِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وخَلَقَ الآجَالَ فَأَطَالَهَا وقَصَّرَهَا وقَدَّمَهَا وأَخَّرَهَا ووَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وجَعَلَهُ خَالِجاً لأَشْطَانِهَا وقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ ونَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ وعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ ومَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ ومَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ وغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ ومَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الأسْمَاعِ ومَصَايِفُ الذَّرِّ ومَشَاتِي الْهَوَامِّ ورَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وهَمْسِ الأقْدَامِ ومُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلائِجِ غُلُفِ الأكْمَامِ ومُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وأَوْدِيَتِهَا ومُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الأشْجَارِ وأَلْحِيَتِهَا ومَغْرِزِ الأوْرَاقِ مِنَ الأفْنَانِ ومَحَطِّ الأمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الأصْلابِ ونَاشِئَةِ الْغُيُومِ ومُتَلاحِمِهَا ودُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا ومَا تَسْفِي الأعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وتَعْفُو الأمْطَارُ بِسُيُولِهَا.

وَعَوْمِ بَنَاتِ الأرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ ومُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الأجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ وتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الأوْكَارِ ومَا أَوْعَبَتْهُ الأصْدَافُ وحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ ومَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ ومَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وسُبُحَاتُ النُّورِ وأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ وحِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ ورَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ ومُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ ومِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وهَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ ومَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ ومُضْغَةٍ أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وسُلالَةٍ لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ ولا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ ولا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الأمُورِ وتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ ولا فَتْرَةٌ بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ وأَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ ووَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ.

دعاء

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ والتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وإِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ اللَّهُمَّ وقَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ ولا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ ولا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ ومَوَاضِعِ الرِّيبَةِ وعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ اللَّهُمَّ ولِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ وهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ ولَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ والْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلا فَضْلُكَ ولا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلا مَنُّكَ وجُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وأَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الأيْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

ومن كلام له (عليه السلام) لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله عنه

دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ولا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها ينبّه أمير المؤمنين على فضله وعلمه ويبيّن فتنة بني أمية

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا واشْتَدَّ كَلَبُهَا فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْ‏ءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وبَيْنَ السَّاعَةِ ولا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وتُضِلُّ مِائَةً إِلا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وقَائِدِهَا وسَائِقِهَا ومُنَاخِ رِكَابِهَا ومَحَطِّ رِحَالِهَا ومَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً ومَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً ولَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي ونَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الأمُورِ وحَوَازِبُ الْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الأبْرَارِ مِنْكُمْ إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ ويُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً ويُخْطِئْنَ بَلَداً أَلا وإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَ أَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وتَخْبِطُ بِيَدِهَا وتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وتَمْنَعُ دَرَّهَا لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلا نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ ولا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ والصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وقِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى ولا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ ولَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً ويَسُوقُهُمْ عُنْفاً ويَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لا يُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ ولا يُحْلِسُهُمْ إِلا الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا ومَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ولَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونِيهِ.

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها يصف اللّه تعالى ثم يبين فضل الرسول الكريم وأهل بيته ثم يعظ الناس

فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ولا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ الأوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ ولا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ

و منها في وصف الأنبياء

فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ وأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأرْحَامِ كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ.

حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وأَعَزِّ الأرُومَاتِ مَغْرِساً مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ وأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأسَرِ وشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وثَمَرٌ لا يُنَالُ فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ وسُنَّتُهُ الرُّشْدُ وكَلامُهُ الْفَصْلُ وحُكْمُهُ الْعَدْلُ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وغَبَاوَةٍ مِنَ الأمَمِ.

اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْلامٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ 0 يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وفَرَاغٍ والصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ والأقْلامُ جَارِيَةٌ والأبْدَانُ صَحِيحَةٌ والألْسُنُ مُطْلَقَةٌ والتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ والأعْمَالُ مَقْبُولَةٌ

ومن خطبة له (عليه السلام) يقرر فضيلة الرسول الكريم

بَعَثَهُ والنَّاسُ ضُلالٌ فِي حَيْرَةٍ وحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأهْوَاءُ واسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ واسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأمْرِ وبَلاءٍ مِنَ الْجَهْلِ فَبَالَغَ (صلى الله عليه وآله) فِي النَّصِيحَةِ ومَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ودَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

ومن خطبة له (عليه السلام) في اللّه وفي الرسول الأكرم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الأوَّلِ فَلا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ والآخِرِ فَلا شَيْ‏ءَ بَعْدَهُ والظَّاهِرِ فَلا شَيْ‏ءَ فَوْقَهُ والْبَاطِنِ فَلا شَيْ‏ءَ دُونَهُ

و منها في ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله)

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ومَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ ومَمَاهِدِ السَّلامَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأبْرَارِ وثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأبْصَارِ دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ وأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ كَلامُهُ بَيَانٌ وصَمْتُهُ لِسَانٌ

ومن خطبة له (عليه السلام) في أصحابه وأصحاب رسول اللّه

وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ ولَكِنْ لإسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي ولَقَدْ أَصْبَحَتِ الأمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا ودَعَوْتُكُمْ سِرّاً وجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا ونَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وهُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاثٍ واثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وبُكْمٌ ذَوُو كَلامٍ وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ ولا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ الإبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ واللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وحَمِيَ الضِّرَابُ قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ومِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً.

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ واتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى ولَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا ولا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا ولا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وخُدُودِهِمْ ويَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ ومَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ ورَجَاءً لِلثَّوَابِ

ومن كلام له (عليه السلام) يشير فيه إلى ظلم بني أمية

وَ اللَّهِ لا يَزَالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلا اسْتَحَلُّوهُ ولا عَقْداً إِلا حَلُّوهُ وحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ ونَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ وحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وبَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ وحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في التزهيد من الدنيا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ ونَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ ونَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأدْيَانِ كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأبْدَانِ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا والْمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُمْ وإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ ومَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ وكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا ومَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ وطَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ ومُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً فَلا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وفَخْرِهَا ولا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا ونَعِيمِهَا ولا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وبُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّهَا وفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ وإِنَّ زِينَتَهَا ونَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وضَرَّاءَهَا وبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ وكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَ ولَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الأوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ ومُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ ولَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ وإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ أَ ولَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ ويُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيِّتٌ يُبْكَى وآخَرُ يُعَزَّى وصَرِيعٌ مُبْتَلًى وعَائِدٌ يَعُودُ وآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وطَالِبٌ لِلدُّنْيَا والْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وغَافِلٌ ولَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي أَلا فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ ومُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ وقَاطِعَ الأمْنِيَاتِ عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلأعْمَالِ الْقَبِيحَةِ واسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ ومَا لا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وإِحْسَانِهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) في رسول اللّه وأهل بيته

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ والْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ ونَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ ونَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وبِذِكْرِهِ نَاطِقاً فَأَدَّى أَمِيناً ومَضَى رَشِيداً وخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ ومَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ بَطِي‏ءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ ويَضُمُّ نَشْرَكُمْ فَلا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ ولا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وتَثْبُتَ الأخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ وأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.

ومن خطبة له (عليه السلام) وهي إحدى الخطب المشتملة على الملاحم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الأوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ والآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ وبِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لا أَوَّلَ لَهُ وبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لا آخِرَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ والْقَلْبُ اللِّسَانَ أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي ولا تَتَرَامَوْا بِالأبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ (صلى الله عليه وآله) مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ ولا جَهِلَ السَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ واشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وثَقُلَتْ فِي الأرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا ومَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وبَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا ومِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وقَامَ عَلَى يَنْعِهِ وهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ وأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ والْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ هَذَا وكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ ويَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ ويُحْصَدُ الْقَائِمُ ويُحْطَمُ الْمَحْصُودُ.

ومن خطبة له (عليه السلام) تجري هذا المجرى وفيها ذكر يوم القيامة وأحوال الناس المقبلة

وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وجَزَاءِ الأعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ولِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً.

و منها: فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ ولا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا ويَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الأرْضِ مَجْهُولُونَ وفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ لا رَهَجَ لَهُ ولا حَسَّ وسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأحْمَرِ والْجُوعِ الأغْبَرِ.

ومن خطبة له (عليه السلام)

أَيُّهَا النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا واللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ وتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ لا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ ولا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ والْوَهْنِ فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ.

ومنها: الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ وإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ وإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ.

ومنها: وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لا يَنْجُو فِيهِ إِلا كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وأَعْلامُ السُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ ولا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ ويَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الإسْلامُ كَمَا يُكْفَأُ الإنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ ولَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ

قال السيد الشريف الرضي أما قوله (عليه السلام) كل مؤمن نومة فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر والمساييح جمع مسياح وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم والمذاييع جمع مذياع وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونوه بها والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه

ومن خطبة له (عليه السلام)

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً ولا يَدَّعِي نُبُوَّةً ولا وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ ويُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ يَحْسِرُ الْحَسِيرُ ويَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ إِلا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ واسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا واسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ ولا جَبُنْتُ ولا خُنْتُ ولا وَهَنْتُ وايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ

قال السيد الشريف الرضي وقد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة ونقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية.

ومن خطبة له (عليه السلام) في بعض صفات الرسول الكريم وتهديد بني أمية وعظة الناس

حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) شَهِيداً وبَشِيراً ونَذِيراً خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً وأَنْجَبَهَا كَهْلاً وأَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً.

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا ولا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ وحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وصَادَفْتُمُوهَا واللَّهِ ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالأرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلا وإِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً ولِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ولا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ أَلا إِنَّ أَبْصَرَ الأبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلا إِنَّ أَسْمَعَ الأسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وقَبِلَهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ عِبَادَ اللَّهِ لا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ ولا تَنْقَادُوا لأَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لا يَلْتَصِقُ ويُقَرِّبَ مَا لا يَتَقَارَبُ فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لا يُشْكِي شَجْوَكُمْ ولا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإمَامِ إِلا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ الإبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ والاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ والإحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ ومِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وتَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها يبين فضل الإسلام ويذكر الرسول الكريم ثم يلوم أصحابه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الإسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ ونُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ ولُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ ونَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ ورَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وأَوْضَحُ الْوَلائِجِ مُشْرَفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ مُضِي‏ءُ الْمَصَابِيحِ كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ شَرِيفُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ والصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ والْمَوْتُ غَايَتُهُ والدُّنْيَا مِضْمَارُهُ والْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ والْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ

و منها في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله)

حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ وأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وبَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ واجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ وشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ وآتِهِ الْوَسِيلَةَ وأَعْطِهِ السَّنَاءَ والْفَضِيلَةَ واحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا ولا نَادِمِينَ ولا نَاكِبِينَ ولا نَاكِثِينَ ولا ضَالِّينَ ولا مُضِلِّينَ ولا مَفْتُونِينَ

قال الشريف وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف

و منها في خطاب أصحابه

وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ وتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ ويُعَظِّمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ولا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ ويَهَابُكُمْ مَنْ لا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً ولا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلا تَغْضَبُونَ وأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ وكَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وعَنْكُمْ تَصْدُرُ وإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ ويَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وايْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ

ومن كلام له (عليه السلام) في بعض أيام صفين

وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ وأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ وأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ ويَآفِيخُ الشَّرَفِ والأنْفُ الْمُقَدَّمُ والسَّنَامُ الأعْظَمُ ولَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وشَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالإبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا

ومن خطبة له (عليه السلام) وهي من خطب الملاحم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ والظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لا تَلِيقُ إِلا بِذَوِي الضَّمَائِرِ ولَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ وأَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ

وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله)

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الأنْبِيَاءِ ومِشْكَاةِ الضِّيَاءِ وذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ وسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ ومَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ ويَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ.

و منها: طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وآذَانٍ صُمٍّ وأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ ومَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ ولَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالأنْعَامِ السَّائِمَةِ والصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لأَهْلِ الْبَصَائِرِ ووَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا وأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا وظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاحٍ وأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاحٍ ونُسَّاكاً بِلا صَلاحٍ وتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ وأَيْقَاظاً نُوَّماً وشُهُوداً غُيَّباً ونَاظِرَةً عَمْيَاءَ وسَامِعَةً صَمَّاءَ ونَاطِقَةً بَكْمَاءَ رَايَةُ ضَلالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى الضِّلَّةِ فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلا ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأدِيمِ وتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ وتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ وتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ وتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ ومِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ وأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ وأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ واسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ ولْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ ولْيَجْمَعْ شَمْلَهُ ولْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الأمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ وقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ ورَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ وعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ وصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ وهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ وتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ وتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ وتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ وتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً والْمَطَرُ قَيْظاً وتَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً وتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً وكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً وسَلاطِينُهُ سِبَاعاً وأَوْسَاطُهُ أُكَّالاً وفُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وغَارَ الصِّدْقُ وفَاضَ الْكَذِبُ واسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً والْعَفَافُ عَجَباً ولُبِسَ الإسْلامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً.

 

   
Developed by Royal Solutions