القسم الثالث

ومن خطبة له (عليه السلام) في بيان قدرة اللّه وانفراده بالعظمة وأمر البعث

كُلُّ شَيْ‏ءٍ خَاشِعٌ لَهُ وكُلُّ شَيْ‏ءٍ قَائِمٌ بِهِ غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ وعِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ وقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ ومَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ ومَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ ومَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ ومَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ ولا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ ولا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ ولا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ ولا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ولا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ولا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ولا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ وكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ أَنْتَ الأبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ وأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلا مَحِيصَ عَنْكَ وأَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ وإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ ومَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ ومَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ ومَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ ومَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا ومَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآخِرَةِ.

و منهامِنْ مَلائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ ورَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وأَخْوَفُهُمْ لَكَ وأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ لَمْ يَسْكُنُوا الأصْلابَ ولَمْ يُضَمَّنُوا الأرْحَامَ ولَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ولَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ وإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ ومَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ واسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ وكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ ولَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ولَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ولَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ.

سُبْحَانَكَ خَالِقاً ومَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً وجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً مَشْرَباً ومَطْعَماً وأَزْوَاجاً وخَدَماً وقُصُوراً وأَنْهَاراً وزُرُوعاً وثِمَاراً ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا ولا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا ولا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا واصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وأَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ويَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ ووَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا ولِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ ولا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ حَيْثُ لا إِقَالَةَ ولا رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وحَسْرَةُ الْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وبَيْنَ مَنْطِقِهِ وإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ ويَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ وفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ ويَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا ومُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا ويَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ والْعِبْ‏ءُ عَلَى ظَهْرِهِ والْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ ويَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ ويَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا ويَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ولا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ ولا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ وخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لا يُسْعِدُ بَاكِياً ولا يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي الأرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ وانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ.

حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ والأمْرُ مَقَادِيرَهُ وأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ أَمَادَ السَّمَاءَ وفَطَرَهَا وأَرَجَّ الأرْضَ وأَرْجَفَهَا وقَلَعَ جِبَالَهَا ونَسَفَهَا ودَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ ومَخُوفِ سَطْوَتِهِ وأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ وجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الأعْمَالِ وخَبَايَا الأفْعَالِ وجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاءِ وانْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاءِ فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لا يَظْعَنُ النُّزَّالُ ولا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ ولا تَنُوبُهُمُ الأفْزَاعُ ولا تَنَالُهُمُ الأسْقَامُ ولا تَعْرِضُ لَهُمُ الأخْطَارُ ولا تُشْخِصُهُمُ الأسْفَارُ وأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وغَلَّ الأيْدِيَ إِلَى الأعْنَاقِ وقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالأقْدَامِ وأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ ومُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ وبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ ولَجَبٌ ولَهَبٌ سَاطِعٌ وقَصِيفٌ هَائِلٌ لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا ولا يُفَادَى أَسِيرُهَا ولا تُفْصَمُ كُبُولُهَا لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى ولا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى.

و منها في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله)

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وصَغَّرَهَا وأَهْوَنَ بِهَا وهَوَّنَهَا وعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً وبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً ونَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً ودَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً وخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً.

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ ومَحَطُّ الرِّسَالَةِ ومُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ ويَنَابِيعُ الْحُكْمِ نَاصِرُنَا ومُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ وعَدُوُّنَا ومُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ

ومن خطبة له (عليه السلام) في أركان الدين

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى الإيمَانُ بِهِ وبِرَسُولِهِ والْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإسْلامِ وكَلِمَةُ الإخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ وإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ وحَجُّ الْبَيْتِ واعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ ويَرْحَضَانِ الذَّنْبَ وصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ ومَنْسَأَةٌ فِي الأجَلِ وصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ وصَدَقَةُ الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ وصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ وارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ واقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ.

وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ واسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ وأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ وإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ والْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذم الدنيا

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ ورَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وتَحَلَّتْ بِالآمَالِ وتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا ولا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا والرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً ولَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً إِلا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاءٍ وحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ واحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً ولا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا لا خَيْرَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلا التَّقْوَى مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ ومَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ وذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ وذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ وعَيْشُهَا رَنِقٌ وعَذْبُهَا أُجَاجٌ وحُلْوُهَا صَبِرٌ وغِذَاؤُهَا سِمَامٌ وأَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ ومَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ وجَارُهَا مَحْرُوبٌ أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً وأَبْقَى آثَاراً وأَبْعَدَ آمَالاً وأَعَدَّ عَدِيداً وأَكْثَفَ جُنُوداً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ وآثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ ولا ظَهْرٍ قَاطِعٍ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ وأَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ وضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ وعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ ووَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ وأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وآثَرَهَا وأَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الأبَدِ وهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلا الضَّنْكَ أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلا الظُّلْمَةَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلا النَّدَامَةَ أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ولَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وظَاعِنُونَ عَنْهَا واتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وأُنْزِلُوا الأجْدَاثَ فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً وجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ ومِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ ومِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ولا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ولا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وهُمْ آحَادٌ وجِيرَةٌ وهُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ وقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لا يُخْشَى فَجْعُهُمْ ولا يُرْجَى دَفْعُهُمْ اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الأرْضِ بَطْناً وبِالسَّعَةِ ضِيقاً وبِالأهْلِ غُرْبَةً وبِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ والدَّارِ الْبَاقِيَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ

ومن خطبة له (عليه السلام) ذكر فيها ملك الموت وتوفية النفس وعجز الخلق عن وصف اللّه

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذم الدنيا

وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ ولَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وغَرَّتْ بِزِينَتِهَا دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا وخَيْرَهَا بِشَرِّهَا وحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وحُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لأَوْلِيَائِهِ ولَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وشَرُّهَا عَتِيدٌ وجَمْعُهَا يَنْفَدُ ومُلْكُهَا يُسْلَبُ وعَامِرُهَا يَخْرَبُ فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ وعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ ومُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ واسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ وأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وإِنْ ضَحِكُوا ويَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وإِنْ فَرِحُوا ويَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآجَالِ وحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ والْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ وإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلا خُبْثُ السَّرَائِرِ وسُوءُ الضَّمَائِرِ فَلا تَوَازَرُونَ ولا تَنَاصَحُونَ ولا تَبَاذَلُونَ ولا تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ ولا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ ويُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ ومَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجِلِ وحُبِّ الْعَاجِلِ وصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وأَحْرَزَ رِضَى سَيِّدِهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها مواعظ للناس

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ والنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ ونَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ ونَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وأَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ ونُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ ووَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاصُهُ الشِّرْكَ ويَقِينُهُ الشَّكَّ ونَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ لا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ ولا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وبِهَا الْمَعَاذُ زَادٌ مُبْلِغٌ ومَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ ووَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وفَازَ وَاعِيهَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ وأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ والرِّيَّ بِالظَّمَإِ واسْتَقْرَبُوا الأجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ وكَذَّبُوا الأمَلَ فَلاحَظُوا الأجَلَ ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وعَنَاءٍ وغِيَرٍ وعِبَرٍ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لا تُخْطِئُ سِهَامُهُ ولا تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ والصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ والنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لا يَشْبَعُ وشَارِبٌ لا يَنْقَعُ ومِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لا يَأْكُلُ ويَبْنِي مَا لا يَسْكُنُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لا مَالاً حَمَلَ ولا بِنَاءً نَقَلَ ومِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً والْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلا نَعِيماً زَلَّ وبُؤْساً نَزَلَ ومِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلا أَمَلٌ يُدْرَكُ ولا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وأَظْمَأَ رِيَّهَا وأَضْحَى فَيْئَهَا لا جَاءٍ يُرَدُّ ولا مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلا عِقَابُهُ ولَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلا ثَوَابُهُ وكُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وكُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ ومِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ واعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وزَادَ فِي الدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ ومَزِيدٍ خَاسِرٍ إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ ومَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ ومَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ واللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ ودَخِلَ الْيَقِينُ حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ وكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وخَافُوا بَغْتَةَ الأجَلِ فَإِنَّهُ لا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ ومَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي والْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في الاستسقاء

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا واغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وهَامَتْ دَوَابُّنَا وتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلَى أَوْلادِهَا ومَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا والْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآنَّةِ وحَنِينَ الْحَانَّةِ اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا وأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ وأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجُودِ فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ والْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الأنَامُ ومُنِعَ الْغَمَامُ وهَلَكَ السَّوَامُ أَلا تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا ولا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا وانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ والرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ والنَّبَاتِ الْمُونِقِ سَحّاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَرِيعَةً زَاكِياً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلادِكَ اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا ويُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ وعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ ووَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ وأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ ويَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا ولا جَهَامٍ عَارِضُهَا ولا قَزَعٍ رَبَابُهَا ولا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لإمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ ويَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ

تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب:

قال السيد الشريف رضي الله عنه قوله (عليه السلام) انصاحت جبالنا أي تشققت من المحول يقال انصاح الثوب إذا انشق ويقال أيضا انصاح النبت وصاح وصوح إذا جف ويبس كله بمعنى. وقوله وهامت دوابُّنا أي عطشت والهُيام العطش. وقوله حدابير السنين جمع حِدْبار وهي الناقة التي أنضاها السير فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب قال ذو الرمة:

حدابير ما تنفك إلا مناخة على            الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا

وقوله ولا قزع ربابها القزع القطع الصغار المتفرقة من السحاب. وقوله ولا شَفَّان ذهابها فإن تقديره ولا ذات شَفَّان ذهابها والشَفَّان الريح الباردة والذهاب الأمطار اللينة فحذف ذات لعلم السامع به

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها ينصح أصحابه

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ولا مُقَصِّرٍ وجَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ولا مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى مِنْهَا ولَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ولَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لا حَارِسَ لَهَا ولا خَالِفَ عَلَيْهَا ولَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا ولَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وأَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ وتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ ولَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ قَوْمٌ واللَّهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ وأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ والْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ أَمَا واللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ ويُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ.

قال الشريف الوذحة الخنفساء وهذا القول يومئ به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره

ومن كلام له (عليه السلام) يوبخ البخلاء بالمال والنفس

فَلا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا ولا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ولا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ

ومن كلام له (عليه السلام) في الصالحين من أصحابه

أَنْتُمُ الأنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ والإخْوَانُ فِي الدِّينِ والْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ والْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ وأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ

ومن كلام له (عليه السلام) وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا

فَقَالَ (عليه السلام) مَا بَالُكُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ (عليه السلام) مَا بَالُكُمْ لا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ ولا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ وإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وذَوِي بَأْسِكُمْ ولا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ والْمِصْرَ وبَيْتَ الْمَالِ وجِبَايَةَ الأرْضِ والْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغِ وإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وأَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا واضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْيُ السُّوءُ واللَّهِ لَوْ لا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ ولَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وشَمَالٌ طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ إِنَّهُ لا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلا هَالِكٌ مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ ومَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ.

ومن كلام له (عليه السلام) يذكر فضله ويعظ الناس

تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ وإِتْمَامَ الْعِدَاتِ وتَمَامَ الْكَلِمَاتِ وعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وضِيَاءُ الأمْرِ أَلا وإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وغَنِمَ ومَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ ونَدِمَ اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ وتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ ومَنْ لا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وغَائِبُهُ أَعْوَزُ واتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وقَعْرُهَا بَعِيدٌ وحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وشَرَابُهَا صَدِيدٌ. أَلا وإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ.

ومن خطبة له (عليه السلام) بعد ليلة الهرير وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فلم ندر أي الأمرين أرشد فصفق (عليه السلام) إحدى يديه على الأخرى ثم قال:

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ أَمَا واللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى ولَكِنْ بِمَنْ وإِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وأَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ وكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيِّ أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الإسْلامِ فَقَبِلُوهُ وقَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وهِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلادِهَا وسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وصَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وبَعْضٌ نَجَا لا يُبَشَّرُونَ بِالأحْيَاءِ ولا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ صُفْرُ الألْوَانِ مِنَ السَّهَرِ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ أُولَئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ ونَعَضَّ الأيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ ويُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً ويُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ وبِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ ونَفَثَاتِهِ واقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ واعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ.

ومن كلام له (عليه السلام) قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة فقال (عليه السلام)

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ ومِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً ومَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاً مِنْكُمْ بِكَلامِهِ ونَادَى النَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلامِ وأَنْصِتُوا لِقَوْلِي وأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ (عليه السلام) بِكَلامٍ طَوِيلٍ مِنْ جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ (عليه السلام) أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وغِيلَةً ومَكْراً وخَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وأَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا واسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ والتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وآخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ والْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ ولا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وإِنْ تُرِكَ ذَلَّ وقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا واللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ولا حَمَّلَنِي اللَّهُ ذَنْبَهَا ووَ اللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ وإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآباءِ والأبْنَاءِ والإخْوَانِ والْقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وشِدَّةٍ إِلا إِيمَاناً ومُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ وتَسْلِيماً لِلأمْرِ وصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ ولَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الإسْلامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ والاعْوِجَاجِ والشُّبْهَةِ والتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا ونَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا.

ومن كلام له (عليه السلام) قاله لأصحابه في ساحة الحرب بصفين

وَ أَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ ولا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ والَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُّونَ كَشِيشَ الضِّبَابِ لا تَأْخُذُونَ حَقّاً ولا تَمْنَعُونَ ضَيْماً قَدْ خُلِّيتُمْ والطَّرِيقَ فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ والْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ.

ومن كلام له (عليه السلام) في حث أصحابه على القتال

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وعَضُّوا عَلَى الأضْرَاسِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ والْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأسِنَّةِ وغُضُّوا الأبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وأَمِيتُوا الأصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ ورَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا ولا تُخِلُّوهَا ولا تَجْعَلُوهَا إِلا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ والْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ ويَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا ووَرَاءَهَا وَ أَمَامَهَا لا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ وآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وقِرْنُ أَخِيهِ وايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآخِرَةِ وأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ والسَّنَامُ الأعْظَمُ إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللَّهِ والذُّلَّ اللازِمَ والْعَارَ الْبَاقِيَ وإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ ولا مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَوْمِهِ مَنِ الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي الْيَوْمَ تُبْلَى الأخْبَارُ واللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ وشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ وأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُمُ النَّسِيمُ وضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ ويُطِيحُ الْعِظَامَ ويُنْدِرُ السَّوَاعِدَ والأقْدَامَ وحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ ويُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلائِبُ وحَتَّى يُجَرَّ بِبِلادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ وحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ وبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ ومَسَارِحِهِمْ.

قال السيد الشريف أقول الدعق الدق أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم ونواحر أرضهم متقابلاتها ويقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل.

ومن كلام له (عليه السلام) في التحكيم وذلك بعد سماعه لأمر الحكمين

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ وإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ ولا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ ولَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى وقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ ورَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ وإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وأَوْلاهُمْ بِهَا وأَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ ويَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ ولَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأمَّةِ ولا تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وتَنْقَادَ لأَوَّلِ الْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وإِنْ نَقَصَهُ وكَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وزَادَهُ فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ ومِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لا يُبْصِرُونَهُ ومُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لا يَعْدِلُونَ بِهِ جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ نُكُبٍ عَنِ الطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا ولا زَوَافِرِ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ ويَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ ولا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ.

ومن كلام له (عليه السلام) لما عوتب على التسوية في العطاء

أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ واللَّهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ومَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ أَلا وإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وإِسْرَافٌ وهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا ويَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ ويُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ ويُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ ولَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ولا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وأَلأمُ خَدِينٍ.

ومن كلام له (عليه السلام) وفيه يبين بعض أحكام الدين ويكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) بِضَلالِي وتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي وتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ والسُّقْمِ وتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ وقَتَلَ الْقَاتِلَ ووَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وقَطَعَ السَّارِقَ وجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْ‏ءِ ونَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِذُنُوبِهِمْ وأَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ ولَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الإسْلامِ ولَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ ومَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ومُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالاً النَّمَطُ الأوْسَطُ فَالْزَمُوهُ والْزَمُوا السَّوَادَ الأعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وإِيَّاكُمْ والْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ أَلا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ ولَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ ويُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ وإِحْيَاؤُهُ الاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وإِمَاتَتُهُ الافْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ وإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا فَلَمْ آتِ لا أَبَا لَكُمْ بُجْراً ولا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ ولا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ وتَرَكَا الْحَقَّ وهُمَا يُبْصِرَانِهِ وكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ وقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ والصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وجَوْرَ حُكْمِهِمَا.

ومن كلام له (عليه السلام) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة

يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ ولا لَجَبٌ ولا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ ولا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثِيرُونَ الأرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ

قال الشريف: يومئ بذلك إلى صاحب الزنج.

ثُمَّ قَالَ (عليه السلام) وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ والدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ ولا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا ونَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا

منها في وصف الأتراك

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ والدِّيبَاجَ ويَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ ويَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ ويَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَضَحِكَ (عليه السلام) وقَالَ لِلرَّجُلِ وكَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ وإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ ومَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ الآيَةَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ ومَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ ومَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلى الله عليه وآله) فَعَلَّمَنِيهِ ودَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي.

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذكر المكاييل والموازين

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ ومَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ وعَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ورُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ وقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلا إِدْبَاراً ولا الشَّرُّ فِيهِ إِلا إِقْبَالاً ولا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ وعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ وأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ وأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وسُمَحَاؤُكُمْ وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ وهَلْ خُلِقْتُمْ إِلا فِي حُثَالَةٍ لا تَلْتَقِي إِلا بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ فَ إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ ولا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ ولا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلا بِطَاعَتِهِ لَعَنَ اللَّهُ الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ

ومن كلام له (عليه السلام) لأبي ذر رحمه الله لما أخرج إلى الربذة

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ واهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ومَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ وسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً والأكْثَرُ حُسَّداً ولَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ والأرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لا يُؤْنِسَنَّكَ إِلا الْحَقُّ ولا يُوحِشَنَّكَ إِلا الْبَاطِلُ فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ ولَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ

ومن كلام له (عليه السلام) وفيه يبين سبب طلبه الحكم ويصف الإمام الحق

أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ والْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ والْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأسَدِ هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ولا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ولَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ ونُظْهِرَ الإصْلاحَ فِي بِلادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وسَمِعَ وأَجَابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِالصَّلاةِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ والدِّمَاءِ والْمَغَانِمِ والأحْكَامِ وإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ ولا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ولا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ ولا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ ولا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ويَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ ولا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأمَّةَ

ومن خطبة له (عليه السلام) يعظ فيها ويزهد في الدنيا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وأَعْطَى وعَلَى مَا أَبْلَى وابْتَلَى الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ والْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُّ الصُّدُورُ ومَا تَخُونُ الْعُيُونُ ونَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ وأَنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) نَجِيبُهُ وبَعِيثُهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ والْقَلْبُ اللِّسَانَ.

و منها: فَإِنَّهُ واللَّهِ الْجِدُّ لا اللَّعِبُ والْحَقُّ لا الْكَذِبُ ومَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ وأَعْجَلَ حَادِيهِ فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وحَذِرَ الإقْلالَ وأَمِنَ الْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ واسْتِبْعَادَ أَجَلٍ كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ وأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ وإِمْسَاكاً بِالأنَامِلِ أَ مَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً ويَبْنُونَ مَشِيداً ويَجْمَعُونَ كَثِيراً كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً ومَا جَمَعُوا بُوراً وصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ وأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ ولا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ وفَازَ عَمَلُهُ فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا واعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الأعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ وقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ

ومن خطبة له (عليه السلام) يعظم اللّه سبحانه ويذكر القرآن والنبي ويعظ الناس

وَ انْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا والآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا وقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ والأرَضُونَ مَقَالِيدَهَا وسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ والآصَالِ الأشْجَارُ النَّاضِرَةُ وقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ وآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ

منها: وكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لا يَعْيَا لِسَانُهُ وبَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وعِزٌّ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ

منها: أرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وتَنَازُعٍ مِنَ الألْسُنِ فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ والْعَادِلِينَ بِهِ.

منها: وَ إِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الأعْمَى لا يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً والْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ ويَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ والأعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ والْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ والأعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ

منها: وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلا ويَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ ويَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً وإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ وبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ وسَمْعٌ لِلأذُنِ الصَّمَّاءِ ورِيٌّ لِلظَّمْآنِ وفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ والسَّلامَةُ كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ وتَنْطِقُونَ بِهِ وتَسْمَعُونَ بِهِ ويَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ويَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ولا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ ولا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ ونَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ وتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الآمَالِ وتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الأمْوَالِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ وتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ واللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وأَنْفُسِكُمْ.

ومن كلام له (عليه السلام) وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم

وَ قَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ لأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ وسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ الَّذِي نَصَرَهُمْ وهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ ومَنَعَهُمْ وهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ حَيٌّ لا يَمُوتُ إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ لا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً واحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ والنَّصِيحَةِ فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ وإِنْ تَكُنِ الأخْرَى كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ ومَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ

ومن كلام له (عليه السلام) وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان أنا أكفيكه، فقال علي عليه السلام للمغيرة

يَا ابْنَ اللَّعِينِ الأبْتَرِ والشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا ولا فَرْعَ أَنْتَ تَكْفِينِي فَوَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ ولا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللَّهُ نَوَاكَ ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَكَ فَلا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ

ومن كلام له (عليه السلام) في أمر البيعة

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً ولَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُمْ وَاحِداً إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وايْمُ اللَّهِ لأنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ ولَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وإِنْ كَانَ كَارِهاً

ومن كلام له (عليه السلام) في شأن طلحة والزبير وفي البيعة له

وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً ولا جَعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَهُمْ نِصْفاً وإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ ودَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ وإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلا قِبَلَهُمْ وإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ ولا لُبِسَ عَلَيَّ وإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَأُ والْحُمَّةُ والشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ وإِنَّ الأمْرَ لَوَاضِحٌ وقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ وايْمُ اللَّهِ لأفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ ولا يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيٍ.

منها: ‏فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا ونَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وظَلَمَانِي ونَكَثَا بَيْعَتِي وأَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا ولا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا وأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلا وعَمِلا ولَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ واسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ فَغَمَطَا النِّعْمَةَ ورَدَّا الْعَافِيَةَ

ومن خطبة له (عليه السلام) يومئ فيها إلى ذكر الملاحم

يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى ويَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ

و منها: حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلا وفِي غَدٍ وسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لا تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وتُخْرِجُ لَهُ الأرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ ويُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ

ومنها: كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ وفَرَشَ الأرْضَ بِالرُّءُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وثَقُلَتْ فِي الأرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ الْجَوْلَةِ عَظِيمَ الصَّوْلَةِ واللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الأرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلامِهَا فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ والآثَارَ الْبَيِّنَةَ والْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ واعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ

ومن كلام له (عليه السلام) في وقت الشورى

لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وصِلَةِ رَحِمٍ وعَائِدَةِ كَرَمٍ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وعُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الأمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأَهْلِ الضَّلالَةِ وشِيعَةً لأَهْلِ الْجَهَالَةِ

ومن كلام له (عليه السلام) في النهي عن غيبة الناس

وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لأَهْلِ الْعِصْمَةِ والْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ والْمَعْصِيَةِ ويَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ والْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ولا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ ولْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ

ومن كلام له (عليه السلام) في النهي عن سماع الغيبة وفي الفرق بين الحق والباطل

أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وسَدَادَ طَرِيقٍ فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وتُخْطِئُ السِّهَامُ ويُحِيلُ الْكَلامُ وبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ واللَّهُ سَمِيعٌ وشَهِيدٌ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ إِلا أَرْبَعُ أَصَابِعَ

فسئل (عليه السلام) عن معنى قوله هذا فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ والْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ

ومن كلام له (عليه السلام)

وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ فِيمَا أَتَى إِلا مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ وثَنَاءُ الأشْرَارِ ومَقَالَةُ الْجُهَّالَ مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وهُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بِخَيْلٌ.

فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ ولْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ ولْيَفُكَّ بِهِ الأسِيرَ والْعَانِيَ ولْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ والْغَارِمَ ولْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ والنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا ودَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في الاستسقاء وفيه تنبيه العباد وجوب استغاثة رحمة اللّه إذا حبس عنهم رحمة المطر

ألا وإِنَّ الأرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ والسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ ومَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ ولا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ ولا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ ولَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا وأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وحَبْسِ الْبَرَكَاتِ وإِغْلاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ ويُقْلِعَ مُقْلِعٌ ويَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ ويَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ ورَحْمَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ واسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وبَادَرَ مَنِيَّتَهُ اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الأسْتَارِ والأكْنَانِ وبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ والْوِلْدَانِ رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ ورَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ وخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ ونِقْمَتِكَ اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ ولا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ولا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ ولا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ وأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ وأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ وتَلاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَةُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ ولا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ ولا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا ولا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وبَرَكَتَكَ ورِزْقَكَ ورَحْمَتَكَ واسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ نَافِعَةَ الْحَيَا كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ وتُسِيلُ الْبُطْنَانَ وتَسْتَوْرِقُ الأشْجَارَ وتُرْخِصُ الأسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ.

ومن خطبة له (عليه السلام)

بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ وجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإعْذَارِ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ أَلا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ ومَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ ولَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً والْعِقَابُ بَوَاءً.

أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا كَذِباً وبَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا اللَّهُ ووَضَعَهُمْ وأَعْطَانَا وحَرَمَهُمْ وأَدْخَلَنَا وأَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى ويُسْتَجْلَى الْعَمَى إِنَّ الأئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ ولا تَصْلُحُ الْوُلاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

منها: آثَرُوا عَاجِلاً وأَخَّرُوا آجِلاً وتَرَكُوا صَافِياً وشَرِبُوا آجِناً كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ وبَسِئَ بِهِ ووَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ وصُبِغَتْ بِهِ خَلائِقُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لا يُبَالِي مَا غَرَّقَ أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى والأبْصَارُ اللامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وتَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ ورُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ والنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ وأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ ودَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا ووَلَّوْا ودَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وأَقْبَلُوا

ومن خطبة له (عليه السلام)

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلا بِفِرَاقِ أُخْرَى ولا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ولا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ ولا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ولا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ ولا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلا وتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ وقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ

منها: وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا الْبِدَعَ والْزَمُوا الْمَهْيَعَ إِنَّ عَوَازِمَ الأمُورِ أَفْضَلُهَا وإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا

ومن كلام له (عليه السلام) وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه

إِنَّ هَذَا الأمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ ولا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ ولا بِقِلَّةٍ وهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ وجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وأَمَدَّهُ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ونَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ونَاصِرٌ جُنْدَهُ ومَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ ويَضُمُّهُ فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً والْعَرَبُ الْيَوْمَ وإِنْ كَانُوا قَلِيلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإسْلامِ عَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ فَكُنْ قُطْباً واسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ وأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الأرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ إِنَّ الأعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وطَمَعِهِمْ فِيكَ فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ وهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ والْمَعُونَةِ

ومن خطبة له (عليه السلام)

فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ ومِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ ولِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ ولِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاتِ واحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ.

وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ ولا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ ولا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ولَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ ولا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ولا فِي الْبِلادِ شَيْ‏ءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ ولا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَالْكِتَابُ وأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ ولَيْسَا فِيهِمْ ومَعَهُمْ ولَيْسَا مَعَهُمْ لأَنَّ الضَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الْهُدَى وإِنِ اجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ ولَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا اسْمُهُ ولا يَعْرِفُونَ إِلا خَطَّهُ وزَبْرَهُ ومِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً وجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ وإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وتَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ والنِّقْمَةُ

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ ومَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وعَدُوَّهُ خَائِفٌ وإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ وسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الأجْرَبِ والْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ ولَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ ولَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ ومَوْتُ الْجَهْلِ هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ ولا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وصَامِتٌ نَاطِقٌ

ومن كلام له (عليه السلام) في ذكر أهل البصرة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأمْرَ لَهُ ويَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لا يَمُتَّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلٍ ولا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وعَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ واللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا ولَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ وقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ ولِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ ولِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ واللَّهِ لا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ يَسْمَعُ النَّاعِيَ ويَحْضُرُ الْبَاكِيَ ثُمَّ لا يَعْتَبِرُ

ومن كلام له (عليه السلام) قبل موته

أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ الأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ والْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ الأيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ فَأَبَى اللَّهُ إِلا إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ومُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) فَلا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وخَلاكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ وخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ ودِينٌ قَوِيمٌ وإِمَامٌ عَلِيمٌ أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ وأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ غَفَرَ اللَّهُ لِي ولَكُمْ إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ وإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ ومَهَابِّ رِيَاحٍ وتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وعَفَا فِي الأرْضِ مَخَطُّهَا وإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي وخُفُوتُ إِطْرَاقِي وسُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ والْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي ويُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي

ومن خطبة له (عليه السلام) يومي فيها إلى الملاحم ويصف فئة من أهل الضلال

وَ أَخَذُوا يَمِيناً وشِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ وتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ فَلا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ ولا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِي‏ءُ بِهِ الْغَدُ فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ ومَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ ودُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لا تَعْرِفُونَ أَلا وإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ ويَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً ويُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً ويَصْدَعَ شَعْباً ويَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ ولَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ ويُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ ويُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ.

ومنها: وَطَالَ الأمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ ويَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الأجَلُ واسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ وأَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ ولَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاءِ حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ ودَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صلى الله عليه وآله) رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأعْقَابِ وغَالَتْهُمُ السُّبُلُ واتَّكَلُوا عَلَى الْوَلائِجِ ووَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ وهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ ونَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ وذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ

ومن خطبة له (عليه السلام) يحذر من الفتن

وَأَحْمَدُ اللَّهَ وأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ ومَزَاجِرِهِ والاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ ومَخَاتِلِهِ وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ونَجِيبُهُ وصَفْوَتُهُ لا يُؤَازَى فَضْلُهُ ولا يُجْبَرُ فَقْدُهُ أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ والْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ والْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ والنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ ويَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ ويَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ.

ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ واحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ وتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ واعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وظُهُورِ كَمِينِهَا وانْتِصَابِ قُطْبِهَا ومَدَارِ رَحَاهَا تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وتَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلامِ وآثَارُهَا كَآثَارِ السِّلامِ يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ وآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ ويَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ وعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ والْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ ويَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ والْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ وتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ وتَخْتَلِفُ الأهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا وتَلْتَبِسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ ومَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ وعَمِيَ وَجْهُ الأمْرِ تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ وتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ وتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا وتَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ ويَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ وتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ وتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ وتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ يَهْرُبُ مِنْهَا الأكْيَاسُ ويُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الأرْحَامُ ويُفَارَقُ عَلَيْهَا الإسْلامُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وظَاعِنُهَا مُقِيمٌ

منهابَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ وخَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الأيْمَانِ وبِغُرُورِ الإيمَانِ فَلا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وأَعْلامَ الْبِدَعِ والْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ وبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ واقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ ولا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ واتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ ومَهَابِطَ الْعُدْوَانِ ولا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ وسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في صفات اللّه جل جلاله، وصفات أئمة الدين

الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ لا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ ولا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ لافْتِرَاقِ الصَّانِعِ والْمَصْنُوعِ والْحَادِّ والْمَحْدُودِ والرَّبِّ والْمَرْبُوبِ الأحَدِ بِلا تَأْوِيلِ عَدَدٍ والْخَالِقِ لا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ ونَصَبٍ والسَّمِيعِ لا بِأَدَاةٍ والْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ والشَّاهِدِ لا بِمُمَاسَّةٍ والْبَائِنِ لا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ والظَّاهِرِ لا بِرُؤْيَةٍ والْبَاطِنِ لا بِلَطَافَةٍ بَانَ مِنَ الأشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا والْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وبَانَتِ الأشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ والرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ومَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ ومَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ عَالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ ورَبٌّ إِذْ لا مَرْبُوبٌ وقَادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورٌ.

منها: قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ ولَمَعَ لامِعٌ ولاحَ لائِحٌ واعْتَدَلَ مَائِلٌ واسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وبِيَوْمٍ يَوْماً وانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ وإِنَّمَا الأئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ ولا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وعَرَفُوهُ ولا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وأَنْكَرُوهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالإسْلامِ واسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ وذَلِكَ لأَنَّهُ اسْمُ سَلامَةٍ وجِمَاعُ كَرَامَةٍ اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وبَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وبَاطِنِ حُكْمٍ لا تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ ومَصَابِيحُ الظُّلَمِ لا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلا بِمَفَاتِيحِهِ ولا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِمَصَابِيحِهِ قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وأَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي وكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي

ومن خطبة له (عليه السلام)

وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ ويَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ بِلا سَبِيلٍ قَاصِدٍ ولا إِمَامٍ قَائِدٍ.

منها: حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ واسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلابِيبِ غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً واسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ ولا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ ونَفْسِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ ونَظَرَ فَأَبْصَرَ وانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي والضَّلالَ فِي الْمَغَاوِي ولا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ.

فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ واسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ واخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ (صلى الله عليه وآله) مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ ولا مَحِيصَ عَنْهُ وخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ ودَعْهُ ومَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وضَعْ فَخْرَكَ واحْطُطْ كِبْرَكَ واذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وكَمَا تَدِينُ تُدَانُ وكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ ومَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وقَدِّمْ لِيَوْمِكَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ والْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ ويُعَاقِبُ ولَهَا يَرْضَى ويَسْخَطُ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً وإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وأَخْلَصَ فِعْلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لاقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسٍ أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ اعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا وإِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا وإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا والْفَسَادُ فِيهَا إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ

ومن خطبة له (عليه السلام) يذكر فيها فضائل أهل البيت

وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ ويَعْرِفُ غَوْرَهُ ونَجْدَهُ دَاعٍ دَعَا ورَاعٍ رَعَى فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي واتَّبِعُوا الرَّاعِيَ قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ وأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ وأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ ونَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ نَحْنُ الشِّعَارُ والأصْحَابُ والْخَزَنَةُ والأبْوَابُ ولا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً

منها فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ ولْيُحْضِرْ عَقْلَهُ ولْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ والْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ واعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ ومَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ وقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صلى الله عليه وآله) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ ويُبْغِضُ عَمَلَهُ ويُحِبُّ الْعَمَلَ ويُبْغِضُ بَدَنَهُ واعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً وكُلُّ نَبَاتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ والْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وحَلَتْ ثَمَرَتُهُ ومَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ

ومن خطبة له (عليه السلام) يذكر فيها بديع خلقة الخفاش

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الأوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ورَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ أَحَقُّ وأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً ولَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ ولا مَشُورَةِ مُشِيرٍ ولا مَعُونَةِ مُعِينٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ فَأَجَابَ ولَمْ يُدَافِعْ وانْقَادَ ولَمْ يُنَازِعْ.

وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ويَبْسُطُهَا الظَّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ وكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا وتَتَّصِلُ بِعَلانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا ورَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا وأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ ائْتِلاقِهَا فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا وجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا فَلا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ ولا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا وبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا ودَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا أَطْبَقَتِ الأجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا وَ تَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً ومَعَاشاً والنَّهَارَ سَكَناً وقَرَاراً وجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ كَأَنَّهَا شَظَايَا الآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ ولا قَصَبٍ إِلا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاماً لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا ولَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلا تَطِيرُ ووَلَدُهَا لاصِقٌ بِهَا لاجِئٌ إِلَيْهَا يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ ويَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ لا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ ويَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ ويَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ ومَصَالِحَ نَفْسِهِ فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلا مِنْ غَيْرِهِ.

ومن كلام له (عليه السلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ وإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ومَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وأَمَّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ وضِغْنٌ غَلا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ ولَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ ولَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأولَى والْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى

ومنها: ‏سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ السِّرَاجِ فَبِالإيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإيمَانِ وبِالإيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ وبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرَةُ وبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وتُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى.

ومنها: ‏قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الأجْدَاثِ وصَارُوا إِلَى مَصَايِرِ الْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا ولا يُنْقَلُونَ عَنْهَا وإِنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ولا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ وعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ والنُّورُ الْمُبِينُ والشِّفَاءُ النَّافِعُ والرِّيُّ النَّاقِعُ والْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ والنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ لا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ ولا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ ولا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ ووُلُوجُ السَّمْعِ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ومَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ

و قام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله عنها فقال عليه السلام :

إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا ورَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللَّهِ أَ ولَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ولَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى والشُّكْرِ وقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ ويَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ويَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ ويَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ والأهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ والسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ والرِّبَا بِالْبَيْعِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ

ومن خطبة له (عليه السلام) يحث الناس على التقوى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ وسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ ودَلِيلاً عَلَى آلائِهِ وعَظَمَتِهِ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ ولا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ وارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ ومَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ والنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ والْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ ولا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَلا وبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا وبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى عِبَادَ اللَّهِ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الأنْفُسِ عَلَيْكُمْ وأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وأَنَارَ طُرُقَهُ فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لأَيَّامِ الْبَقَاءِ قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ ومَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وحِسَابُهُ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ ولا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اللَّهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الأعْمَالُ ويَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وتَشِيبُ فِيهِ الأطْفَالُ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ ولا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ ويَجِي‏ءُ الْغَدُ لاحِقاً بِهِ فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الأرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ ومَخَطَّ حُفْرَتِهِ فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ ومَنْزِلِ وَحْشَةٍ ومُفْرَدِ غُرْبَةٍ وكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ والسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ وبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الأبَاطِيلُ واضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ واسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ وصَدَرَتْ بِكُمُ الأمُورُ مَصَادِرَهَا فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ واعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ

ومن خطبة له (عليه السلام) ينبه فيها على فضل الرسول الأعظم، وفضل القرآن، ثم حال دولة بني أمية

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأمَمِ وانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ والنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ولَنْ يَنْطِقَ ولَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي والْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ودَوَاءَ دَائِكُمْ ونَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ.

ومنها: فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلا وأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً وأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ ولا فِي الأرْضِ نَاصِرٌ أَصْفَيْتُمْ بِالأمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ وسَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ ومَشْرَباً بِمَشْرَبٍ مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ ومَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ ولِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ ودِثَارِ السَّيْفِ وإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وزَوَامِلُ الآثَامِ فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ ثُمَّ لا تَذُوقُهَا ولا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ.

ومن خطبة له (عليه السلام) يبين فيها حسن معاملته لرعيته

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ وأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وحَلَقِ الضَّيْمِ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ وإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ وشَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ.

 

   
Developed by Royal Solutions