القسم الرابع

ومن خطبة له (عليه السلام)

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وحِكْمَةٌ ورِضَاهُ أَمَانٌ ورَحْمَةُ يَقْضِي بِعِلْمٍ ويَعْفُو بِحِلْمٍ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وتُعْطِي وعَلَى مَا تُعَافِي وتَبْتَلِي حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ وأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ حَمْداً يَمْلأ مَا خَلَقْتَ ويَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ ولا يُقْصَرُ دُونَكَ حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَفْنَى مَدَدُهُ فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ ولَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ أَدْرَكْتَ الأبْصَارَ وأَحْصَيْتَ الأعْمَالَ وأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي والأقْدَامِ ومَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ ونَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ ونَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ ومَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ وحَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ أَعْظَمُ فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وأَعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ وكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ وكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً وعَقْلُهُ مَبْهُوراً وسَمْعُهُ وَالِهاً وفِكْرُهُ حَائِراً.

ومنها: يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ كَذَبَ والْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ وكُلُّ رَجَاءٍ إِلا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ ويَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لا يُعْطِي الرَّبَّ فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً وكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً وخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً ووَعْداً وكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وصَارَ عَبْداً لَهَا.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَافٍ لَكَ فِي الأسْوَةِ ودَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وعَيْبِهَا وكَثْرَةِ مَخَازِيهَا ومَسَاوِيهَا إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا ووُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) حَيْثُ يَقُولُ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلا خُبْزاً يَأْكُلُهُ لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأرْضِ ولَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ وتَشَذُّبِ لَحْمِهِ.

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ (صلى الله عليه وآله) صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ وقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ ويَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ويَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ ويَلْبَسُ الْخَشِنَ ويَأْكُلُ الْجَشِبَ وكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ وظِلالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبَهَا وفَاكِهَتُهُ ورَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأرْضُ لِلْبَهَائِمِ ولَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ ولا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ ولا مَالٌ يَلْفِتُهُ ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ دَابَّتُهُ رِجْلاهُ وخَادِمُهُ يَدَاهُ.

فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأطْيَبِ الأطْهَرِ (صلى الله عليه وآله) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى وأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ والْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً ولَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ وحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ ومُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ولَقَدْ كَانَ (صلى الله عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الأرْضِ ويَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ويَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ ويَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ويَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ ويُرْدِفُ خَلْفَهُ ويَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ يَا فُلانَةُ لإحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وزَخَارِفَهَا فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ولا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ولا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ وأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ وكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ ولَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وعُيُوبِهَا إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ وزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ واللَّهِ الْعَظِيمِ بِالإفْكِ الْعَظِيمِ وإِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ وزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ واقْتَصَّ أَثَرَهُ ووَلَجَ مَوْلِجَهُ وإِلا فَلا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) عَلَماً لِلسَّاعَةِ ومُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ ومُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً ووَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ واللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا ولَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لا تَنْبِذُهَا عَنْكَ فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى.

ومن خطبة له (عليه السلام) في صفة النبي وأهل بيته وأتباع دينه، وفيها يعظ بالتقوى

ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي‏ءِ والْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ والْمِنْهَاجِ الْبَادِي والْكِتَابِ الْهَادِي أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ وشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ وثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ عَلا بِهَا ذِكْرُهُ وامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ ومَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ ودَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ وقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ وبَيَّنَ بِهِ الأحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دَيْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ وتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ ويَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ والْعَذَابِ الْوَبِيلِ وأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكُّلَ الإنَابَةِ إِلَيْهِ وأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وطَاعَتِهِ فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً والْمَنْجَاةُ أَبَداً رَهَّبَ فَأَبْلَغَ ورَغَّبَ فَأَسْبَغَ ووَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وانْقِطَاعَهَا وزَوَالَهَا وانْتِقَالَهَا فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ غُمُومَهَا وأَشْغَالَهَا لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وتَصَرُّفِ حَالاتِهَا فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ والْمُجِدِّ الْكَادِحِ واعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وأَسْمَاعُهُمْ وذَهَبَ شَرَفُهُمْ وعِزُّهُمْ وانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ ونَعِيمُهُمْ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأوْلادِ فَقْدَهَا وبِصُحْبَةِ الأزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا لا يَتَفَاخَرُونَ ولا يَتَنَاسَلُونَ ولا يَتَزَاوَرُونَ ولا يَتَحَاوَرُونَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ فَإِنَّ الأمْرَ وَاضِحٌ والْعَلَمَ قَائِمٌ والطَّرِيقَ جَدَدٌ والسَّبِيلَ قَصْدٌ

ومن كلام له (عليه السلام) لبعض أصحابه وقد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به فقال

يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ ولَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وحَقُّ الْمَسْأَلَةِ وقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ أَمَّا الاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ ونَحْنُ الأعْلَوْنَ نَسَباً والأشَدُّونَ بِالرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله) نَوْطاً فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ والْحَكَمُ اللَّهُ والْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ

وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ ولَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ

وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ ولا غَرْوَ واللَّهِ فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ ويُكْثِرُ الأوَدَ حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وسَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ وجَدَحُوا بَيْنِي وبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وإِنْ تَكُنِ الأخْرَى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ

ومن خطبة له (عليه السلام)

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وسَاطِحِ الْمِهَادِ ومُسِيلِ الْوِهَادِ ومُخْصِبِ النِّجَادِ لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ ولا لأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ هُوَ الأوَّلُ ولَمْ يَزَلْ والْبَاقِي بِلا أَجَلٍ خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ ووَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ حَدَّ الأشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا لا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالْحُدُودِ والْحَرَكَاتِ ولا بِالْجَوَارِحِ والأدَوَاتِ لا يُقَالُ لَهُ مَتَى ولا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى الظَّاهِرُ لا يُقَالُ مِمَّ والْبَاطِنُ لا يُقَالُ فِيمَ لا شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى ولا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الأشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ ولَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ ولا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ ولا كُرُورُ لَفْظَةٍ ولا ازْدِلافُ رَبْوَةٍ ولا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ ولا غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ وتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الأفُولِ والْكُرُورِ وتَقَلُّبِ الأزْمِنَةِ والدُّهُورِ مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ ومُدَّةِ وكُلِّ إِحْصَاءٍ وعِدَّةٍ تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأقْدَارِ ونِهَايَاتِ الأقْطَارِ وتَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ وتَمَكُّنِ الأمَاكِنِ فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ .

لَمْ يَخْلُقِ الأشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ ولا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ وصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ لَيْسَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ ولا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْ‏ءٍ انْتِفَاعٌ عِلْمُهُ بِالأمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأحْيَاءِ الْبَاقِينَ وعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الأرَضِينَ السُّفْلَى

منها: أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ والْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الأرْحَامِ ومُضَاعَفَاتِ الأسْتَارِ. بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ووُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وأَجَلٍ مَقْسُومٍ تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءً ولا تَسْمَعُ نِدَاءً ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا ولَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وإِرَادَتِكَ هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ والأدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ ومِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ.

ومن كلام له (عليه السلام) لما اجتمع الناس شكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته لهم واستعتابه لهم فدخل عليه فقال

إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ ووَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ ولا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْ‏ءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ ولا خَلَوْنَا بِشَيْ‏ءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَمَا صَحِبْنَا ومَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ولا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ وأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا وقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ واللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى ولا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ وإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ وإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ وإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وضُلَّ بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالإمَامِ الْجَائِرِ ولَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ ولا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا وإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الأمَّةِ الْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الأمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ والْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ويَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا ويَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا فَلا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً ويَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ وتَقَضِّي الْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ (عليه السلام) مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ ومَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ ومَوَاتٍ وسَاكِنٍ وذِي حَرَكَاتٍ وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ ومَسَلِّمَةً لَهُ ونَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ومَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأرْضِ وخُرُوقَ فِجَاجِهَا ورَوَاسِيَ أَعْلامِهَا مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ ومُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ والْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ ورَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ومَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً وجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً ونَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ ودَقِيقِ صَنْعَتِهِ فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ ومِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ.

وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ ونَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الأنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ وسَمَا بِهِ مُطِلاً عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ ويَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ ويَؤُرُّ بِمَلاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ لا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ ولَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ وأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ ومَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الأرْضُ قُلْتَ جَنًى جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ وإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ وإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ ويَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وجَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ ويَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ لأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلاسِيَّةِ وقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ ولَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ ومَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالإبْرِيقِ ومَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ وكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ إِلا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وشِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ ومَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الأقْحُوَانِ أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ وقَلَّ صِبْغٌ إِلا وقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ وعَلاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وبَرِيقِهِ وبَصِيصِ دِيبَاجِهِ ورَوْنَقِهِ فَهُوَ كَالأزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ ولا شُمُوسُ قَيْظٍ وقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ ويَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى ويَنْبُتُ تِبَاعاً فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الأغْصَانِ ثُمَّ يَتَلاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ لا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ ولا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ وأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الأوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ والألْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاهُ لِلْعُيُونِ فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً ومُؤَلَّفاً مُلَوَّناً وأَعْجَزَ الألْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ وقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ.

وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ والْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ والْفِيَلَةِ ووَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلا وجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ والْفَنَاءَ غَايَتَهُ.

فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا ولَذَّاتِهَا وزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا ولَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وأَفْنَانِهَا وطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا ويُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ والْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وأَمِنُوا نُقْلَةَ الأسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا ولَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا جَعَلَنَا اللَّهُ وإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الأبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ.

تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب:

قال السيد الشريف رضي الله عنه قوله (عليه السلام) يؤر بملاقحه الأر كناية عن النكاح يقال أر الرجل المرأة يؤرها إذا نكحها. وقوله (عليه السلام) كأنه قلع داري عنجه نوتيه القلع شراع السفينة وداري منسوب إلى دارين وهي بلدة على البحر يجلب منها الطيب وعنجه أي عطفه يقال عنجت الناقة كنصرت أعنجها عنجا إذا عطفتها والنوتي الملاح. وقوله (عليه السلام) ضفتي جفونه أراد جانبي جفونه والضفتان الجانبان. وقوله (عليه السلام) وفلذ الزبرجد الفلذ جمع فلذة وهي القطعة. وقوله (عليه السلام) كبائس اللؤلؤ الرطب الكباسة العذق والعساليج الغصون واحدها عسلوج.

ومن خطبة له (عليه السلام)

لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ ولْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ ولا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ لا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ ولا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً ويُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً.

و منها: افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ ولَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ ولَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ ولا حِدَابُ أَرْضٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ ويُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ وايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ والتَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ الألْيَةُ عَلَى النَّارِ.

أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ ولَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ ولَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وقَطَعْتُمُ الأدْنَى ووَصَلْتُمُ الأبْعَدَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاعْتِسَافِ ونَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الأعْنَاقِ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في أوائل خلافته

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ والشَّرَّ فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا واصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وأَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ وفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا وشَدَّ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ إِلا بِالْحَقِّ ولا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلا بِمَا يَجِبُ بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وهُوَ الْمَوْتُ فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وبِلادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ والْبَهَائِمِ أَطِيعُوا اللَّهَ ولا تَعْصُوهُ وإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ.

ومن كلام له (عليه السلام) بعد ما بويع له بالخلافة، وقد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال عليه السلام

يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ ولَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ والْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا ولا نَمْلِكُهُمْ وهَا هُمْ هَؤُلاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ والْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا وهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُرِيدُونَهُ إِنَّ هَذَا الأمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ وإِنَّ لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الأمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وفِرْقَةٌ تَرَى مَا لا تَرَوْنَ وفِرْقَةٌ لا تَرَى هَذَا ولا ذَاكَ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً فَاهْدَءُوا عَنِّي وانْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي ولا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وتُسْقِطُ مُنَّةً وتُورِثُ وَهْناً وذِلَّةً وسَأُمْسِكُ الأمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ وإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ.

ومن خطبة له (عليه السلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وأَمْرٍ قَائِمٍ لا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلا هَالِكٌ وإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا وإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةً لأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ ولا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا واللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الإسْلامِ ثُمَّ لا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ.

إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وإِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ الأمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا ولَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) والْقِيَامُ بِحَقِّهِ والنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ.

ومن كلام له (عليه السلام) في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة كلّم به بعض العرب

وَقَدْ أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ (عليه السلام) مِنْهَا لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَبَيَّنَ لَهُ (عليه السلام) مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَايِعْ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ ولا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ (عليه السلام)

أرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَإِ والْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ والْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ ومُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَإِ والْمَاءِ فَقَالَ (عليه السلام) فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ (عليه السلام) وَ الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ.

ومن كلام له (عليه السلام) لما عزم على لقاء القوم بصفين

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ والْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ والنَّهَارِ ومَجْرًى لِلشَّمْسِ والْقَمَرِ ومُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ وجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلائِكَتِكَ لا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ ورَبَّ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلأنَامِ ومَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ والأنْعَامِ ومَا لا يُحْصَى مِمَّا يُرَى ومَا لا يُرَى ورَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلأرْضِ أَوْتَاداً ولِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ وإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ واعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ.

أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ والْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ الْعَارُ وَرَاءَكُمْ والْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ

ومن خطبة له (عليه السلام)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً ولا أَرْضٌ أَرْضاً.

ومنها: وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الأمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ واللَّهِ لَأَحْرَصُ وأَبْعَدُ وأَنَا أَخَصُّ وأَقْرَبُ وإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وبَيْنَهُ وتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ.

ومنها: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ ومَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ وأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي ثُمَّ قَالُوا أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ

ومنها: في ذكر أصحاب الجمل:

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَمَا تُجَرُّ الأمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَهُمَا ولِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وطَائِفَةً غَدْراً فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ ولا بِيَدٍ دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ

ومن خطبة له (عليه السلام) في رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، ومن هو جدير بأن يكون للخلافة

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الأمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ وأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ ولَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الإمَامَةُ لا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ولَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ ولا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ أَلا وإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ وخَيْرُ عَوَاقِبِ الأمُورِ عِنْدَ اللَّهِ وقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ولا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلا أَهْلُ الْبَصَرِ والصَّبْرِ والْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ولا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً.

أَلا وإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وتَرْغَبُونَ فِيهَا وأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وتُرْضِيكُمْ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ ولا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ ولا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ أَلا وإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ ولا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا وهِيَ وإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا وسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا وانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا ولا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الأمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا واسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ أَلا وإِنَّهُ لا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْ‏ءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ أَلا وإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْ‏ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ وأَلْهَمَنَا وإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.

ومن كلام له (عليه السلام) في معنى طلحة بن عبيد الله وقد قاله حين بلغه خروج طلحة والزبير إلى البصرة لقتاله

قَدْ كُنْتُ ومَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ ولا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ واللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ ولَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الأمْرُ ويَقَعَ الشَّكُّ. ووَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ وأَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ. ولَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ والْمُعَذِّرِينَ فِيهِ ولَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ ويَرْكُدَ جَانِباً ويَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاثِ وجَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ ولَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ.

من خطبة له (عليه السلام) في الموعظة وبيان قرباه من رسول اللّه

أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ والتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ ومَشْرَبٍ دَوِيٍّ وإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وشِبَعَهَا أَمْرَهَا واللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ ومَوْلِجِهِ وجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ ولَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أَلا وإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ والَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ واصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلا صَادِقاً وقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ ومَنْجَى مَنْ يَنْجُو ومَآلِ هَذَا الأمْرِ ومَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي واللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلا وأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا ولا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلا وأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا.

ومن خطبة له (عليه السلام) وفيها يعظ ويبين فضل القرآن وينهى عن البدعة

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللَّهِ واتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ واقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ واتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الأعْمَالِ ومَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وتَجْتَنِبُوا هَذِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ واعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلا يَأْتِي فِي كُرْهٍ ومَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْ‏ءٍ مَنْزِعاً وإِنَّهَا لا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى واعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُصْبِحُ ولا يُمْسِي إِلا ونَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا ومُسْتَزِيداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ والْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ وطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِلِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ والْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ والْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ ومَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ ولا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ واسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وهُوَ الْكُفْرُ والنِّفَاقُ والْغَيُّ والضَّلالُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ ولا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ واعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ ومَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وأَتْبَاعِهِ واسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ واسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ واتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ واسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ.

الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ والاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ والْوَرَعَ الْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ وإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وإِنَّ لِلإسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ واخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وحَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ.

أَلا وإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ والْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ وإِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللَّهِ وحُجَّتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وقَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لا تَمْرُقُوا مِنْهَا ولا تَبْتَدِعُوا فِيهَا ولا تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِيَّاكُمْ وتَهْزِيعَ الأخْلاقِ وتَصْرِيفَهَا واجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً ولْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ واللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ وإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ ومَا ذَا عَلَيْهِ ولَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ.

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ ويُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ولَكِنَّ الْحَلالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ والْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الأمُورَ وضَرَّسْتُمُوهَا ووُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وضُرِبَتِ الأمْثَالُ لَكُمْ ودُعِيتُمْ إِلَى الأمْرِ الْوَاضِحِ فَلا يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلا أَصَمُّ ولا يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلا أَعْمَى ومَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلاءِ والتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَةِ وأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ ويُنْكِرَ مَا عَرَفَ وإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً ومُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ ولا ضِيَاءُ حُجَّةٍ.

وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وسَبَبُهُ الأمِينُ وفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ ويَنَابِيعُ الْعِلْمِ ومَا لِلْقَلْبِ جِلاءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ وبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَانَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ ودَعِ الشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ.

أَلا وإِنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ وظُلْمٌ لا يُتْرَكُ وظُلْمٌ مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ وأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى ولا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ ولَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِيَّاكُمْ والتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ وإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى ولا مِمَّنْ بَقِيَ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وأَكَلَ قُوتَهُ واشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ.

ومن كلام له (عليه السلام) في معنى الحكمين

فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ ولا يُجَاوِزَاهُ وتَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وتَرَكَا الْحَقَّ وهُمَا يُبْصِرَانِهِ وكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا والاعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا وقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ والْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وجَوْرَ حُكْمِهِمَا والثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ وأَتَيَا بِمَا لا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ.

ومن خطبة له (عليه السلام) في الشهادة والتقوى. وقيل إنه خطبها بعد مقتل عثمان في أول خلافته

لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ ولا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ ولا يَحْوِيهِ مَكَانٌ ولا يَصِفُهُ لِسَانٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ ولا نُجُومِ السَّمَاءِ ولا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ ولا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا ولا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الأوْرَاقِ وخَفِيَّ طَرْفِ الأحْدَاقِ وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ ولا مَشْكُوكٍ فِيهِ ولا مَكْفُورٍ دِينُهُ ولا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وصَفَتْ دِخْلَتُهُ وخَلَصَ يَقِينُهُ وثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلائِقِهِ والْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ والْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ والْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاتِهِ والْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى والْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا والْمُخْلِدَ إِلَيْهَا ولا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا وتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا وايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا لِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ولَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ ووَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ وإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ ولَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ ومَا عَلَيَّ إِلا الْجُهْدُ ولَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ

ومن كلام له (عليه السلام) وقد سأله ذعلب اليماني فقال هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام) أ فأعبد ما لا أرى فقال وكيف تراه فقال:

لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ ولَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ قَرِيبٌ مِنَ الأشْيَاءِ غَيْرَ مُلابِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ مُتَكَلِّمٌ لا بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ لَطِيفٌ لا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِيمٌ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ

ومن خطبة له (عليه السلام) في ذم العاصين من أصحابه

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وعَلَى ابْتِلائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ وإِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ. لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ والْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي ولَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وبَيْنِكُمْ وأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ وبِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ ولا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ أَ ولَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ ولا عَطَاءٍ وأَنَا أَدْعُوكُمْ وأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الإسْلامِ وبَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ إِنَّهُ لا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًى فَتَرْضَوْنَهُ ولا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ وفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ وعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وسَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ الأعْمَى يَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ وأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ ومُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ

ومِنْ كَلامٍ لَهُ (عليه السلام) وقَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ (عليه السلام) فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ (عليه السلام)

بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ وهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ ومُتَخَلٍّ عَنْهُمْ فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلالِ والْعَمَى وصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وجِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ

ومِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام)

رُوِيَ عَنْ نَوْفٍ الْبَكَالِيِّ قَالَ خَطَبَنَا بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِالْكُوفَةِ وهُوَ قَائِمٌ عَلَى حِجَارَةٍ نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ وعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وحَمَائِلُ سَيْفِهِ لِيفٌ وفِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ لِيفٍ وكَأَنَّ جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِيرٍ فَقَالَ (عليه السلام):

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ وعَوَاقِبُ الأمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ ونَيِّرِ بُرْهَانِهِ ونَوَامِي فَضْلِهِ وامْتِنَانِهِ حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً ولِشُكْرِهِ أَدَاءً وإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً ولِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً ونَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ والْقَوْلِ ونُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً وأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً وخَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وعَظَّمَهُ مُمَجِّداً ولاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً.

لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً ولَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ ولا زَمَانٌ ولَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ ولا نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ والْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلا عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ ولا مُبْطِئَاتٍ ولَوْ لا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ ولا مَسْكَناً لِمَلائِكَتِهِ ولا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ والْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الأقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ولا اسْتَطَاعَتْ جَلابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ ولا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الأرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ ولا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ ومَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ومَا تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الأنْوَاءِ وانْهِطَالُ السَّمَاءِ ويَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ ومَقَرَّهَا ومَسْحَبَ الذَّرَّةِ ومَجَرَّهَا ومَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا ومَا تَحْمِلُ الأنْثَى فِي بَطْنِهَا.

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ ولا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ ولا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ ولا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ ولا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ ولا يُحَدُّ بِأَيْنٍ ولا يُوصَفُ بِالأزْوَاجِ ولا يُخْلَقُ بِعِلاجٍ ولا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ ولا يُقَاسُ بِالنَّاسِ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً بِلا جَوَارِحَ ولا أَدَوَاتٍ ولا نُطْقٍ ولا لَهَوَاتٍ بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ وجُنُودَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ والأدَوَاتِ ومَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلا إِلَهَ إِلا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلامٍ وأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عليه السلام) الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ والإنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظِيمِ الزُّلْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ واسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ وأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً والْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً ووَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وهَزَمُوا بِالألُوفِ وعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ ومَدَّنُوا الْمَدَائِنَ ومِنْهَا قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الإقْبَالِ عَلَيْهَا والْمَعْرِفَةِ بِهَا والتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الإسْلامُ وضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وأَلْصَقَ الأرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلائِفِ أَنْبِيَائِهِ

ثم قال عليه السلام‏أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الأنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ وأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ ويُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ أَلا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الأخْيَارُ وبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الآخِرَةِ لا يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وهُمْ بِصِفِّينَ أَلا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ ويَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ واللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وأَحَلَّهُمْ دَارَ الأمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ومَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ وأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ (عليه السلام) أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْيَوُا السُّنَّةَ وأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا ووَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ.

ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ‏الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ أَلا وإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَخْرُجْ

قَالَ نَوْفٌ وعَقَدَ لِلْحُسَيْنِ (عليه السلام) فِي عَشَرَةِ آلافٍ ولِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَشَرَةِ آلافٍ ولأَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ ولِغَيْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخَرَ وهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّينَ فَمَا دَارَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاكِرُ فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِيهَا تَخْتَطِفُهَا الذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ

من خطبة له (عليه السلام) في قدرة اللّه وفي فضل القرآن وفي الوصية بالتقوى الله تعالى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ والْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ واسْتَعْبَدَ الأرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ وهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ وبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ والإنْسِ رُسُلَهُ لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ولِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا ولِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا ولِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا ولِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وأَسْقَامِهَا وحَلالِهَا وحَرَامِهَا ومَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ والْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ ونَارٍ وكَرَامَةٍ وهَوَانٍ أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ وجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً ولِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً.

ومنها: فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وصَامِتٌ نَاطِقٌ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ وارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ وأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ وقَبَضَ نَبِيَّهُ (صلى الله عليه وآله) وقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ ولَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلا وجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً وآيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ واعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ولَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ وتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وحَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ وافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ.

وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ ونَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ وتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لا يُسْقِطُونَ حَقّاً ولا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً واعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ ونُوراً مِنَ الظُّلَمِ ويُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ويُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ ونُورُهَا بَهْجَتُهُ وزُوَّارُهَا مَلائِكَتُهُ ورُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وسَابِقُوا الآجَالَ فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأمَلُ ويَرْهَقَهُمُ الأجَلُ ويُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ وأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا أَ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ والْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ والرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِيعَ حَجَرٍ وقَرِينَ شَيْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الأعْنَاقِ ونَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ وأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ وفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ولا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وقَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ ولَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ اسْتَنْصَرَكُمْ ولَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ واسْتَقْرَضَكُمْ ولَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وأَزَارَهُمْ مَلائِكَتَهُ وأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً وصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً ونَصَباً ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ واللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِي وأَنْفُسِكُمْ وهُوَ حَسْبُنَا ونِعْمَ الْوَكِيلُ.

ومن كلام له (عليه السلام) قاله للبرج بن مسهر الطائي وقد قال له بحيث يسمعه (لا حكم إلا للّه)، وكان من الخوارج

اسْكُتْ قَبَحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ خَفِيّاً صَوْتُكَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ

ومن خطبة له (عليه السلام) يحمد اللّه فيها ويثني على رسوله ويصف خلقا من الحيوان

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ولا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ ولا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ ولا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ وبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ وارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ وبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ وَاحِدٌ لا بِعَدَدٍ ودَائِمٌ لا بِأَمَدٍ وقَائِمٌ لا بِعَمَدٍ تَتَلَقَّاهُ الأذْهَانُ لا بِمُشَاعَرَةٍ وتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لا بِمُحَاضَرَةٍ لَمْ تُحِطْ بِهِ الأوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا وبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وإِلَيْهَا حَاكَمَهَا لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً ولا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً بَلْ كَبُرَ شَأْناً وعَظُمَ سُلْطَاناً.

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ الصَّفِيُّ وأَمِينُهُ الرَّضِيُّ (صلى الله عليه وآله) أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وظُهُورِ الْفَلَجِ وإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا وحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالاً عَلَيْهَا وأَقَامَ أَعْلامَ الاهْتِدَاءِ ومَنَارَ الضِّيَاءِ وجَعَلَ أَمْرَاسَ الإسْلامِ مَتِينَةً وعُرَى الإيمَانِ وَثِيقَةً.

منها في صفة خلق أصناف من الحيوان

وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وجَسِيمِ النِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ولَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ والْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ أَ لا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ والْبَصَرَ وسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ والْبَشَرَ انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا ولَطَافَةِ هَيْئَتِهَا لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ولا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ولا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ ولَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ والْحَجَرِ الْجَامِسِ ولَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وسُفْلِهَا ومَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا ومَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وأُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ولَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ ولَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلالَةُ إِلا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وغَامِضِ اخْتِلافِ كُلِّ حَيٍّ ومَا الْجَلِيلُ واللَّطِيفُ والثَّقِيلُ والْخَفِيفُ والْقَوِيُّ والضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلا سَوَاءٌ.

وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ والْهَوَاءُ والرِّيَاحُ والْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ والْقَمَرِ والنَّبَاتِ والشَّجَرِ والْمَاءِ والْحَجَرِ واخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ والنَّهَارِ وتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وطُولِ هَذِهِ الْقِلالِ وتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ والألْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وجَحَدَ الْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ ولا لاخْتِلافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا ولا تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا وهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ وجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ وجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ ونَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ ومِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وخَلْقُهَا كُلُّهُ لا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً ويُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً ووَجْهاً ويُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وضَعْفاً ويُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وخَوْفاً فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا والنَّفَسِ وأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى والْيَبَسِ وقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وأَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وهَذَا عُقَابٌ وهَذَا حَمَامٌ وهَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وأَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا وعَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الأرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا وأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا.

ومن خطبة له (عليه السلام) في التوحيد وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة

مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ غَنِيٌّ لا بِاسْتِفَادَةٍ لا تَصْحَبُهُ الأوْقَاتُ ولا تَرْفِدُهُ الأدَوَاتُ سَبَقَ الأوْقَاتَ كَوْنُهُ والْعَدَمَ وُجُودُهُ والابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ والْجُمُودَ بِالْبَلَلِ والْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا لا يُشْمَلُ بِحَدٍّ ولا يُحْسَبُ بِعَدٍّ وإِنَّمَا تَحُدُّ الأدَوَاتُ أَنْفُسَهَا وتُشِيرُ الآلاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَةَ وحَمَتْهَا قَدُ الأزَلِيَّةَ وجَنَّبَتْهَا لَوْلا التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ وبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ ولا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ والْحَرَكَةُ وكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ ويَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ ويَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ولَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ ولامْتَنَعَ مِنَ الأزَلِ مَعْنَاهُ ولَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ولالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ وإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ ولَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ وخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ الَّذِي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الأفُولُ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً ولَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الأبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلامَسَةِ النِّسَاءِ لا تَنَالُهُ الأوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ ولا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ ولا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ ولا تَلْمِسُهُ الأيْدِي فَتَمَسَّهُ ولا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ ولا يَتَبَدَّلُ فِي الأحْوَالِ ولا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي والأيَّامُ ولا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ والظَّلامُ ولا يُوصَفُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الأجْزَاءِ ولا بِالْجَوَارِحِ والأعْضَاءِ ولا بِعَرَضٍ مِنَ الأعْرَاضِ ولا بِالْغَيْرِيَّةِ والأبْعَاضِ ولا يُقَالُ لَهُ حَدٌّ ولا نِهَايَةٌ ولا انْقِطَاعٌ ولا غَايَةٌ ولا أَنَّ الأشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ لَيْسَ فِي الأشْيَاءِ بِوَالِجٍ ولا عَنْهَا بِخَارِجٍ يُخْبِرُ لا بِلِسَانٍ ولَهَوَاتٍ ويَسْمَعُ لا بِخُرُوقٍ وأَدَوَاتٍ يَقُولُ ولا يَلْفِظُ ويَحْفَظُ ولا يَتَحَفَّظُ ويُرِيدُ ولا يُضْمِرُ يُحِبُّ ويَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ ويُبْغِضُ ويَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ولا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ وإِنَّمَا كَلامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ ومَثَّلَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً ولَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً لا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ ولا يَكُونُ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ فَصْلٌ ولا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ والْمَصْنُوعُ ويَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ والْبَدِيعُ خَلَقَ الْخَلائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلا مِنْ غَيْرِهِ ولَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وأَنْشَأَ الأرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ وأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ وحَصَّنَهَا مِنَ الأوَدِ والاعْوِجَاجِ ومَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ والانْفِرَاجِ أَرْسَى أَوْتَادَهَا وضَرَبَ أَسْدَادَهَا واسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وخَدَّ أَوْدِيَتَهَا فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ ولا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وعَظَمَتِهِ وهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ والْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلالِهِ وعِزَّتِهِ لا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ ولا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ ولا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ خَضَعَتِ الأشْيَاءُ لَهُ وذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ لا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وضَرِّهِ ولا كُفْ‏ءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ ولا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا ولَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا واخْتِرَاعِهَا وكَيْفَ ولَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وبَهَائِمِهَا ومَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وسَائِمِهَا وأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وأَجْنَاسِهَا ومُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وأَكْيَاسِهَا عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ولا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا ولَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وتَاهَتْ وعَجَزَتْ قُوَاهَا وتَنَاهَتْ ورَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا.

وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لا شَيْ‏ءَ مَعَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلا وَقْتٍ ولا مَكَانٍ ولا حِينٍ ولا زَمَانٍ عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ والأوْقَاتُ وزَالَتِ السِّنُونَ والسَّاعَاتُ فَلا شَيْ‏ءَ إِلا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الأمُورِ بِلا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا وبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا ولَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ ولَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وبَرَأَهُ ولَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ ولا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ ونُقْصَانٍ ولا لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ ولا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ ولا لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ ولا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ ولا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا لا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وتَدْبِيرِهَا ولا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ ولا لِثِقَلِ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا ولَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ وأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ وأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ولا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا ولا لانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ ولا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وعَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ والْتِمَاسٍ ولا مِنْ فَقْرٍ وحَاجَةٍ إِلَى غِنًى وكَثْرَةٍ ولا مِنْ ذُلٍّ وضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وقُدْرَةٍ.

ومن خطبة له (عليه السلام) وهي في ذكر الملاحم

أَلا بِأَبِي وأُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وفِي الأرْضِ مَجْهُولَةٌ أَلا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ وانْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ واسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ والنَّعِيمِ وتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ الأزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ ولا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ ولا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ وأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ ويَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِي‏ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وعُوا وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا.

ومن خطبة له (عليه السلام) في الوصية بأمور

أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ وكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلائِهِ إِلَيْكُمْ ونَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ وبَلائِهِ لَدَيْكُمْ فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ وتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ وتَعَرَّضْتُمْ لأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ.

وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً وكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ واشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا لا عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً ولا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ ووَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.

فَسَابِقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا والَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا ودُعِيتُمْ إِلَيْهَا واسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ والْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ وأَسْرَعَ الأيَّامَ فِي الشَّهْرِ وأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ وأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ.

ومن كلام له (عليه السلام) في الإيمان ووجوب الهجرة

فَمِنَ الإيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ ومِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ الْقُلُوبِ والصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ.

وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الأوَّلِ مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الأرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الإمَّةِ ومُعْلِنِهَا لا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الأرْضِ فَمَنْ عَرَفَهَا وأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ ولا يَقَعُ اسْمُ الاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ ووَعَاهَا قَلْبُهُ.

إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأرْضِ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وتَذْهَبُ بِأَحْلامِ قَوْمِهَا.

ومن خطبة له (عليه السلام) يحمد اللّه ويثني على نبيه ويعظ بالتقوى

أَحْمَدُهُ شُكْراً لإنْعَامِهِ وأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ عَزِيزَ الْجُنْدِ عَظِيمَ الْمَجْدِ. وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ لا يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ والْتِمَاسٌ لإطْفَاءِ نُورِهِ. فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ ومَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وبَادِرُوا الْمَوْتَ وغَمَرَاتِهِ وامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ وأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ وكَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ ومُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ وقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأرْمَاسِ وشِدَّةِ الإبْلاسِ وهَوْلِ الْمُطَّلَعِ ورَوْعَاتِ الْفَزَعِ واخْتِلافِ الأضْلاعِ واسْتِكَاكِ الأسْمَاعِ وظُلْمَةِ اللَّحْدِ وخِيفَةِ الْوَعْدِ وغَمِّ الضَّرِيحِ ورَدْمِ الصَّفِيحِ فَاللَّهَ اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ وأَنْتُمْ والسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ وكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا وأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا ووَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا وكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلازِلِهَا وأَنَاخَتْ بِكَلاكِلِهَا وانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا وأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى وصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً وسَمِينُهَا غَثّاً فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ وأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ ونَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا بَعِيدٍ خُمُودُهَا ذَاكٍ وُقُودُهَا مَخُوفٍ وَعِيدُهَا عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا حَامِيَةٍ قُدُورُهَا فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ وانْقَطَعَ الْعِتَابُ وزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ واطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ ورَضُوا الْمَثْوَى والْقَرَارَ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً وأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً وكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً واسْتِغْفَارًا وكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً تَوَحُّشاً وانْقِطَاعاً فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً والْجَزَاءَ ثَوَاباً وكانُوا أَحَقَّ بِها وأَهْلَها فِي مُلْكٍ دَائِمٍ ونَعِيمٍ قَائِمٍ فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ ومَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ وكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ فَلا رَجْعَةً تَنَالُونَ ولا عَثْرَةً تُقَالُونَ اسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وطَاعَةِ رَسُولِهِ وعَفَا عَنَّا وعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ الْزَمُوا الأرْضَ واصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ ولا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وسُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ ولا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وحَقِّ رَسُولِهِ وأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً ووَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ وقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاتِهِ لِسَيْفِهِ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُدَّةً وأَجَلاً.

ومن خطبة له (عليه السلام) يحمد اللّه ويثني على نبيه ويوصي بالزهد والتقوى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ والْغَالِبِ جُنْدُهُ والْمُتَعَالِي جَدُّهُ أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ وآلائِهِ الْعِظَامِ الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى وعَلِمَ مَا يَمْضِي ومَا مَضَى مُبْتَدِعِ الْخَلائِقِ بِعِلْمِهِ ومُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ بِلا اقْتِدَاءٍ ولا تَعْلِيمٍ ولا احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ ولا إِصَابَةِ خَطَأٍ ولا حَضْرَةِ مَلإ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ابْتَعَثَهُ والنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ ويَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ واسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ.

عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ والْمُوجِبَةُ عَلَى اللَّهِ حَقَّكُمْ وأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ وتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ والْجُنَّةُ وفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ وسَالِكُهَا رَابِحٌ ومُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الأمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ والْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى وأَخَذَ مَا أَعْطَى وسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ الأقَلُّونَ عَدَداً وهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا وأَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا واعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً ومِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ وأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ وارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ ودَاوُوا بِهَا الأسْقَامَ وبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ واعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا ولا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا أَلا فَصُونُوهَا وتَصَوَّنُوا بِهَا وكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً وإِلَى الآخِرَةِ وُلاهاً ولا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى ولا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا ولا تَشِيمُوا بَارِقَهَا ولا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا ولا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا ولا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا ولا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ ونُطْقَهَا كَاذِبٌ وأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ أَلا وهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ والْجَامِحَةُ الْحَرُونُ والْمَائِنَةُ الْخَئُونُ والْجَحُودُ الْكَنُودُ والْعَنُودُ الصَّدُودُ والْحَيُودُ الْمَيُودُ حَالُهَا انْتِقَالٌ ووَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ وعِزُّهَا ذُلٌّ وجِدُّهَا هَزْلٌ وعُلْوُهَا سُفْلٌ دَارُ حَرَبٍ وسَلَبٍ ونَهْبٍ وعَطَبٍ أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وسِيَاقٍ ولَحَاقٍ وفِرَاقٍ قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا وأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا وخَابَتْ مَطَالِبُهَا فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ ولَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ وأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ ولَحْمٍ مَجْزُورٍ وشِلْوٍ مَذْبُوحٍ ودَمٍ مَسْفُوحٍ وعَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ وصَافِقٍ بِكَفَّيْهِ ومُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ وزَارٍ عَلَى رَأْيِهِ ورَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ وقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ وأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ ولاتَ حِينَ مَنَاصٍ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وذَهَبَ مَا ذَهَبَ ومَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ.

 

   
Developed by Royal Solutions